lundi 5 mars 2012

وثيقة خطيرة تبين دعوة الفرنسيس للدارجة ضدا وحربا على العربية


أحمد زياد 
   جريدة العلم عدد 30 يوليوز 1951

 أشرنا في هذا الباب منذ  ثلاثة أيام وتعمدنا أن تكون إشارتنا خفيفة الظل للحادث الذي جرى أثناء مداولات المجلس البلدي بالرباط في جلسته الأخيرة، وتعرضنا إلى التعليل – ملوحين لا غير- الذي تعللت به المصالح البلدية على لسان أحد المسئولين بها في عدم كتابة اللافتات  بالعربية. وخرجنا بنتيجة تتلخص في  أننا نُجَهَّلُ ـ بتشديد الهاء من فضلك ـ ثم نُعَازُ  بهذا التحليل في الكليات والجزئيات.وفضلنا في هذا التعليق أن نحوم حول موضوع اللافتات لأنها ليست سوى جزئية بسيطة تدخل في نطاق القضايا العامة التي تساس في هذه البلاد على شكل معوج غير مستقيم.ولكن صحيفة "لا فيجي ماروكين"  علقت فيما بعد على حادثة المجلس البلدي تعليقا أرغمنا على العودة إلى هذا الموضوع، وأرغمنا أن نتناوله في صراحة وبالذات.

فلقد عللت  "لا فيجي" عدم كتابة اللافتات باللغة العربية بتعليلات أخرى لا تنحصر في أننا جهلاء كما يُفهم من جواب المتكلم بلسان إدارة البلدية، بل لأن اللافتات لم تكتب  لسكان مدينة الرباط، وإنما وضعت لإرشاد السياح، ثم تُشعِّب "لا فيجي" فلسفتها وتوسع طريقتها في الاستنتاج فتقول ما معناه: «وهب أنه تقررت كتابتها بالعربية، فأي عربية يمكن أن تمتب بها؟ألدارجة أم الفصحى؟ وإذا كتبت بالدارجة فأية دارجة ينبغي أن تكتب بها؟». وتخرج  "لا فيجي" من هذه الفلسفة بأن الأمر لا يتعلق بإهانة ولا باستهتار بأمر المغاربة.

وجريدة مثل  "لا فيجي" عودتنا على مثل هذه الفلسفة في حديثها عن الشؤون المغربية. فلنسر معها في هذا الجدل إلى أقصى حد.

إذا كانت اللافتات قد كتبت من أجل السياح لا غير،  فلماذا لا يفهم السياح أنهم في بلد عربي، دولته  مسلمة وهذه لغتها مكتوبة على اللافتات، ويجب أن يفهم السياح هذا؟

أتريد "لا فيجي"  أنم يعود  الناس إلى كتابة اللافتات في باريس أو في غيرها من بلاد فرنسا بلغة إنجليزية أو ألمانية ما دام الأمر يتعلق بالسياح؟ إن "لا فيجي" وغير "لا فيجي" لا تقبل أن تكون اللغة الفرنسية مهملة لأن السياح لا يفهمونها. نحن لا ننكر أن اللغة الفرنسية لغة حية، ولا ننكر أنها لغة معارف وآداب، ولكن ذلك لا ينسينا  لغتنا أبدا، ولا يبرر أن نسكت على إهمالها الذي قد يكون متعمَّدا في بعض الأحيان.

ولَئِن كان القائمون بأمر هذه اللافتات تتوفر لديهم نية حسنة كما يقولون، فلماذا لا يكتبون الاسم العربي في نفس اللافتة التي كتِب عليها الاسم الفرنسي، بحيث لا تكون هناك مصاريف زائدة ويُراعَى شعورنا من جهة وأحقية اللغة العربية من جهة أخرى؟ أما التأرجح بين اللغة العربية واللغة الدارجة فهو اختراع  قديم أحدثه فقهاء "السياسة الأهلية" (la politique de l'indigènité)  الأولون منذ عهد الماريشال (ليوطي) ، ثم توسعت دائرته على يد المستعمرين وبعض المراقبين المدنيين. وهو بني على سوء نية تماما ما في ذلك شك. ثم إن الذين اخترعوه يجهلون الجهل الركب اللغة العربية الفصيحة واللغة الدارجة معا. فلغة التخاطب عند كثير من الأمم هي غير لغة الكتابة، واختلاف اللهجات في الدارجة طابع محلي صرف يوجد في المغرب كما يوجد في أقطار أخرى.

ولم تكن اللغة الدارجة في يوم من الأيام لغة بأصولها حتى جاءت وفود المستمرين والمراقبين المدنيين وقر رأيهم على أن يجعلوا منها لغة ثابتة تزاحم اللغة العربية "وبعبوعا" يهددها لئلا يزداد نفوذها وتصبح خطرا على "السياسة الأهلية" باعتبارها أداة قومية في كيان الشعب المغربي. ومن أجل هذا أُلِّفت في الدارجة مؤلفات وأصبحت  معتبرة في الامتحان ، وأصبح لها كرسي في دروس معهد الدروس العليا بالرباط. ولم تُبذل هذه الجهود في سبيل جعل اللغة الدارجة لغة بقواعدها – وإن كانت تلك القواعد يغلب عليها الجهل في بعض الأحيان- إلا من اجل التسلح بها (في محاربة اللغة العربية والتمكين للفكر الاستعماري من تكريس سياسته "الأهلية" (indigène). وتعليل "لا فيجي" نفسه مستقى من هذه الموسوعة الاستعمارية، بيد أنه تعليل باطل وسلاح مفلول.

فاللغة العربية هي لغة هذه البلاد، لغة أصلية تطورت عبر قرون وأجيال، وكم حاربها الترك والأعاجم وأعداؤها في عصور خلت فلم يظفروا في حربهم لها بطائل، وظلت لغة تجمع ملايين العرب (وغير العرب) في مشارق الأرض ومغاربها. وهي اللغة الإدارية عند الدول الشرقية. ولتلك الدول لسان دارج،  ولكن هذا اللسان الدارج لا يقوم مقامها وليس له من الأصول ما يساعده على احتلال مقامها.

وأما حادثة اللافتات فهي أيسر من أن تكون مثيرة للشعور كما تقول "لا فيجي"، فهذه استهانة أخرى، أليس في إهمال لغة الملايين والإصرار على إهمالها إساءة؟

أليس في تقصير الإدارة وتكثلها ومماطلتها في تعليم النشيء المغربي ثم شتمنا بالجهل إساءة؟

إن أمر اللافتات له جنبان: جانب اللياقة و جانب مراعاة لغة البلاد ولئن كانت الإدارة قد جعلت محاربة اللغة العربية همها الأول مند زمان فكان على الأقل أن تحتفظ بمبادئ اللياقة و تضع العربية ولو إلى جانب اللغة الفرنسية على أقل تقدير ولكن الإدارة فيما يظهر أصبحت في هده الأيام لا تريد أن تكون الإدارة فيما يظهر أصبحت في هده الأيام لا تريد أن تكون معنا ولو لبقة على الأقل "لافيجي" وغيرها من الصحف التي تتزعم الدفاع عن الإدارة فنحن أعلم أنها بمثابة شريط سجلت عليه كثير من الردود يدار بواسطة آلة فيتحرك منطلقا بما سجل عليه حتى ولو كان هدا التسجيل قديما بعلل حوادث سنة 1951 بتعليلات سنة 1907.آه من حفدة باسكال لقد ضربوا بمنطق معلمهم الأول عرض الحائط.      

                                                                       (أبو طارق)



           

بحث يكشف حقيقة الدعوة إلى الدارجة بالمغرب: حول معاجم اللغة العامية المغربية عرض تاريخي للأستاذ الدكتور محمد بن شريفة



مما يلفت النظر ويدعو إلى الانتباه إقبال الباحثين الأجانب على دراسة العاميات العربية واهتمامهم بتدوين ألفاظها ونصوصها، وليس ذلك الإقبال وهذا الاهتمام مما ظهر في العصر الحديث ، فقد وجد منذ عهد بعيد، ولا شك أن لهذه الظاهرة بواعث وأسبابًا وأغراضًا وأهدافًا، ومن أبرزها ما يتصل بالتبشير ويقترن بالاستعمار وتوجد أمثلة عديدة في هذين الموضوعين أذكر منها فيما يتعلق بعامية الغرب الإسلامي مثال الراهب القطلاني ريموند مرتين الذي ألف في منتصف القرن السابع الهجري معجما عربيًّا لاتينيًّا وآخر لاتينيًّا عربيًّا حسب العامية الأندلسية. وكان هذا الراهب قد بلغ في اللغة العربية فصيحها وعاميها مبلغًا كبيرًا ، وبلغ به الغرور أنه ادعى القدرة على معارضة القرآن الكريم، ويوجد في أول المعجم المذكور(1) نموذج يدل على سفاهة رأيه وتفاهة عقله، فهذا الراهب قد تعلم العربية ليحاول بها تنصير المسلمين في الأندلس والمغرب وليحاجج علماءهم ويجادلهم .

   وفي كتاب المعيار(2) نص كامل لمناظرة جرت في مدينة مرسية بين الراهب وبين العالم الأديب المرسي أبي الحسين على ابن رشيق(3)، ويفهم منها أن الراهب المذكور كان عارفا بمقامات الحريري(4) وله تآليف في المجادلة بين الأديان ظهر فيها اطلاعه على كتب الغزالي وغيره(5).


    ويعد هذا الراهب مع الراهب رامن لل من المؤسسين للاستشراق الأوربي . (6)

وأضيف إلى هذا المثال الراهب بدرو دي الكالا (7) الذي ألف في نهاية القرن التاسع الهجري(الخامس عشر الميلادي) معجمًا في العامية الأندلسية أيضا وهو يمثل لهجة أهل غرناطة وما يتصل بها. أما معجم ريموند مرتين فإنه يمثل لهجة أهل شرق الأندلس. وقد جاء بعد هذين الراهبين رهبان آخرون دونوا ألفاظ العامية المغربية كما سمعوها في زمنهم ، وكان آخرهم الراهب الإسباني J.LERCHUNDI الذي أكمل في مدينة طنجة معجمه الإسباني العربي عام 1892م (8) وقد مر أزيد من قرن على ما فيه من كلمات واستعمالات كانت شائعة في شمال المغرب.
   وأما اهتمام الأجانب بدراسة العاميات العربية لأغراض استعمارية فقد نشأ عندما فكر الأوروبيون في غزو البلاد العربية واستعمارها فأسسوا لذلك مدارس منها في فرنسا على سبيل المثال -مدرسة اللغات الشرقية الحية: École des Langues Orientales Vivantes  وتوسعوا في هذا الشأن بعد تسلطهم على البلدان العربية وتحكمهم فيها فأحدثوا معاهد عليا لدراسة اللهجات العربية العامية واللهجات الأمازيغية لتعليم أطرهم المختلفة، وألفت كتب في قواعد هذه اللهجات ووضعت معاجم في مفرداتها، وكانت تمنح فيها شهادات مختلفة، ومن هذه المعاهد على سبيل المثال أيضا المعهد الذي أسس بالرباط في عهد الحماية الفرنسية وسمي"معهد الأبحاث العليا المغربية " Institut  des    Hautes Études Marocaines ، وقد نشر هذا المعهد من بدايته سنة 1915م إلى نهايته سنة 1959 عددا كبيرًا جدَّا من النصوص في اللهجات العامية العربية واللهجات الأمازيغية على اختلافها .
   وقد عني أحد الدارسين في المغرب(9) بوضع فهرس تحليلي باللغة الفرنسية لهذه المنشورات ، وهو من المطبوعات الأخيرة لكلية الآداب في الرباط (10) ، ونشرت هذه الكلية أيضا كتابا باللغة الفرنسية اشتمل على عناوين الأبحاث والدراسات التي أنجزت في موضوع اللغات واللهجات في المغرب خلال ثلاثين سنة وهذا عنوانه(11) :
Langue et Société au Maghreb, Bilan et Perspectives
  ومن الواضح أن هذا الاهتمام الكبير باللهجات المغربية في عهد الحماية لم يكن بريئًا ولا خالصًا لوجه العلم، وإنما كان نتيجة تخطيط استعماري بعيد المرامي، وهذا ما كشف عنه المستعرب الفرنسي الشهير جورج كولان الذي كانت سلطات الحماية الفرنسية ترجع إليه وتستشيره في المسألة اللغوية بالمغرب، فقد كتب هذا المستعرب في الأربعينيات بحثًا عالج فيه مشكلة اللغة في المغرب واستبعد ما كان يطالب به الشباب المغربي المثقف من نشر الفصحى واعتبر إحلال الفصحى محل الدارجة أمرًا عسيرًا واقترح فيما اقترح حلَّين : أحدهما " تعميم الدارجة التي يفهمها الجميع واتخاذها كلغة للثقافة"والآخر هو "تعميم اللغة الفرنسية في المغرب وجعلها وسيلة للثقافة وحدها".
  وقد أثار هذا البحث ردودًا في الصحافة المغربية والمصرية، ورد عليه الأستاذ المرحوم عبد الله كنون ردًا جميلاً دافع فيه عن الفصحى وانتقد ما ذهب إليه كولان من أن عامية المغرب هي أبعد عن الفصحى من عامية مصر والشام والعراق وقرر أنها من أقرب اللهجات إلى الفصحى لكثرة ما تشتمل عليه من التراكيب الصحيحة والكلمات الفصيحة، وساق طائفة من هذه الكلمات. وختم رده بأن بحث كولان المذكور أملته عليه السياسة وأنه كشف فيه عن نوايا الاستعمار الذي كان يعمل جاهدا على إضعاف اللغة  العربية وإهمالها (12). ومن المعروف أن الاستعمار الفرنسي فرض اللغة الفرنسية وجعل منها لغة رسمية للتعليم والإدارة ، ولم يعد للغة العربية وجود إلا في القضاء الشرعي والتعليم الديني، ثم إنه قرر اللهجة العربية العامية واللهجات الأمازيغية في الإذاعة والمعاهد ذات الأغراض الاستعمارية ، ولكن الحركة الوطنية قاومت هذه السياسة وأنشأت مدارس حرة كانت لغة التعليم فيها هى العربية الفصحى. وقد كان لهذه المدارس وللمعاهد الدينية كجامعة القرويين وغيرها أثر عظيم في الحفاظ على الهوية الوطنية واللغة العربية خلال عهد الحامية الفرنسية.
    ولما انتهى هذا العهد وقع تغيير الكثير من مظاهره وآثاره، ومنها على سبيل المثال معهد الأبحاث العليا الذي سبقت الإشارة إليه فقد أنشئت فيه كلية الآداب بالرباط وحلت محله، ووقع إلغاء تعليم اللهجات العربية المغربية الأمازيغية ولكن الفرنسيين وغيرهم تبنوها في معاهدهم ببلدانهم قاصدين بذلك إثارة النعرة وإيقاظ الفتنة . وأذكر بعد هذا أن الباعث على الاعتراض الذي كان لدى الوطنيين المغاربة على تعليم اللهجات ودراستها هو الخوف على اللغة العربية الفصحى مما يضارها وينافسها فإذا انتفى هذا السبب فلا بأس من الالتفات إلى اللهجات والاعتناء بتراثها؛ لأن في هذا إغناء للفصحى وثراء للهوية. ومن هنا وجدنا الأستاذ المرحوم محمد الفاسي العضو الراحل عن هذا المجمع يخرج بعد الاستقلال أعمالا متعددة في الأدبيات العامية واللهجات العربية والأمازيغية كالأمثال العامية والحكايات الشعبية والأزجال المغربية التي تعرف بالملحون ، وقد توج هذه الأعمال بإخراج معلمة الملحون التي نشرتها أكاديمية المملكة المغربية في عدة أجزاء .
   كما أن الأستاذ المرحوم عبد الله كنون العضو الراحل عن هذا المجمع قدم في بعض مؤتمرات هذا المجمع بحثًا عنوانه: عاميتنا والمعجمية،  سرد فيه طائفة من ألفاظ العامية المغربية التي توجد كما ينطقها المغاربة في المعاجم العربية القديمة وقد رتبها على حروف الهجاء (13).
   وأذكر هنا أني لما التحقت بجامعة القاهرة لتحضير الدكتوراه قصدت المرحوم عبد العزيز الأهواني الذي عرفته في المغرب إذ كان أول مستشار ثقافي لمصر في المغرب ورغبت إليه أن أحضر بإشرافه موضوعًا في الأدب العربي على عهد الموحدين وجرى خلال المحادثة ذكـر أمثال عوام الأندلس التي نشرها في الكتاب التذكاري المهدى إلى عميد الأدب العربي،فقلت له: إن لدي مخطوطًا يشتمل على مجموعة أقدم وأعظم من التي نشرها، فأشار عليَّ بتسجيلها موضوعًا للدكتوراه وكانت إشارته حكما،وطاعته غنما؛إذ حصلت بفضله وفضل أستاذنا الدكتور شوقي ضيف وأستاذنا المرحوم عبد الحميد يونس على هذه الدرجة العلمية بمرتبة الشرف الأولى مع التوصية بطبع الأطروحة، وقد طبعت بمطبعة محمد الخامس الجامعية في جزأين ، وغدت من المصادر الأساسية لدراسة العامية الأندلسية التاريخية والمجتمع الأندلسي القديم، ولما قدم الأخ الزميل الدكتور عباس الجراري بعد زمن يسير من وصولي إلى القاهرة سجل بإشراف أستاذنا الأهواني أيضا موضوع القصيدة في الشعر الملحون المغربي، وقد حصل بها على الدرجة العلمية نفسها وطبعت في المغرب كذلك وأصبحت مرجعًا في بابها .
   لقد كان لأستاذنا المرحوم الأهواني ولزميله أستاذنا المرحوم عبد الحميد يونس اعتناء معروف بالآداب الشعبية ودفاع عنها، يقول الأهواني رحمه الله في كتابه: الزجل في الأندلس :"لقد كان ابن خلدون جريئًا وكان سابقًا لأبناء عصره حين أعلن أن الشعر ليس مقصورًا على العرب وأن البلاغة ليست وقفًا على اللغة المعربة وكان واسع الأفق حين ضمن مقدمته نماذج من الشعر الملحون ودافع عنه، وأحسب أننا في العصر الحاضر لم نعد في حاجة إلى الدفاع عن هذه الفنون التي اتخذت العامية أداة التعبير فيها، ولم نعد في حاجة إلى القول بضرورة معرفتها وإلى تبرير دراستها" (14) .
   أنتقل بعد هذا المدخل إلى الحديث عن معاجم العامية المغربية فأبدأ بالإشارة إلى أن أقدمها يرقى إلى القرن الرابع وأعني به كتاب " لحن العامة " الذي ألفه اللغوي الأندلسي الكبير أبو بكر الزبيدي المتوفى سنة 379 هـ ، وهو مطبوع (15)، وقد جمع فيه الكلمات التي أفسدتها العامة في الأندلس إما بإحالة لفظها أو بوضعها في غير موضعها، ولكن الزبيدي اقتصر على لحن الخواص، ولم يجتلب ما أفسده الدهماء، ومع ذلك فإنه يعتبر أول من رصد مظاهر التغيير التي حدثت في اللغة العربية بالأندلس ، وقد جاء بعد الزبيدي لغوي مغربي هو أبو عبد الله بن هشام السبتي المتوفى سنة 577 هجرية فتوسع في عرض مظاهر اللحن الطارئة على اللغة العربية في المغرب والأندلس وأسمى كتابه المدخل إلى تقويم اللسان، وكان أستاذنا المرحوم عبد العزيز الأهواني أول من درس هذا الكتاب ونشر ما ورد فيه من ألفاظ مغربية وأمثال عامية (16) ثم نشر بعد ذلك مرتين(17). وما يزال عدد كبير من الألفاظ والأمثال العامية التي دونها ابن هشام السبتي في القرن معروفا ومستعملا في العامية المغربية إلى اليوم .
   وفي القرن الثامن الهجري عني ثلاثة من أعلام الأندلس والمغرب بموضوع لحن العامة وهم أبو عبد الله محمد بن هانئ السبتي المتوفى سنة 733 وأبو عبد الله ابن جزي المتوفى سنة 741 هجرية وأبو جعفر أحمد بن خاتمة المتوفى سنة 770 هجرية ولكن هؤلاء الأعلام لم يضيفوا شيئًا ذا بال وكان جل اهتمامهم منصرفًا إلى ترتيب الألفاظ التى جمعها ابن هشام السبتي مع تهذيبها وتقريبها، وذلك حسبما يظهر من كتاب ابن خاتمة الذي أسماه: "إنشاد الضوال وإرشاد السوال" (18) ثم جاء مؤلف من أهل القرن التاسع الهجري فيما يبدو فاختصر كتاب ابن خاتمة الذي كان هو أيضًا اختصارا لكتاب ابن هانئ السبتي،وقد نشر المستعرب كولان هذا الاختصار الأخير الذى لا يعرف مؤلفه في مجلة هسبيرس(19)، وفي أواخر القرن التاسع أو أوائل القرن العاشر للهجرة ألَّف مجهول كتابًا سماه: الجمانة في إزالة الرطانة، وقد نشره الأستاذ المرحوم حسن حسني عبد الوهاب العضو الراحل عن هذا المجمع (20) ويتعلق معظم ما في هذا الكتاب بتحول الصيغ، وهو في جملته إضافة جيدة في الموضوع ، ويقدم صورة واضحة لما كانت عليه اللهجة الحضرية التونسية في زمن المؤلف. إن اعتبار هذه الكتب من قبيل المعاجم لا يخلو من التجوز، وهي في جملتها تنتمي إلى طائفة من كتب التصويب اللغوي التي ظهرت في مشرق العالم العربي ومغربه (21)، ولعل الرسالة المنسوبة إلى الكسائي في لحن العوام هي أول ما ألف في هذا الباب (22).
   وثمة معاجم أخرى في عامية الغرب الإسلامي هي التي يصدق عليها اسم المعاجم حقيقة وقد ألفها أجانب مستعربون في عصور مختلفة وهي ثنائية اللغة، وأولها معجم لاتيني عربي عنوانه :- Glossarium Lation Arabicum  ومؤلفه مجهول من أهل القرن العاشر الميلادي ( الرابع الهجري ) ولم أتمكن من الوصول إليه الآن كي أصفه، ويوجد وصف وتحليل لمحتواه العام في مقدمة تكملة  المعاجم العربية لدوزي الذي استعمله وقال: إن الحصيلة التي استخرجها منه أقل غنى من سواه (23) .
    ويأتـي بعـد هذا حسب الترتيب التاريخي المعجم الذي ذكرناه فيما سبق ، وهو المعجم الذي ينسب     إلى الراهب القطلاني ريموند    مرتين من أهل القرن الثالث عشر الميلادي ( القرن السابع الهجري ) ، ويتألف هذا المعجم من قسمين كبيرين: القسم الأول عربي لاتيني، يبدأ بالكلمة العربية ثم المقابل اللاتيني، والقسم الثاني لاتيني عربي، وفي هذا القسم لا يكتفى بمقابل عربي وإنما يؤتى بمرادفات واشتقاقات وتصاريف وتراكيب في كل مادة، ومن هذا تظهر القيمة الكبيرة لهذا المعجم ، ومما يتميز به الشكل التام الذي يعرف به كيفية النطق في كل كلمة  .
   وليس من غرضي الآن تقديم خلاصة ما عن طبيعة العامية كما تبدو في هذا المعجم، ولكني أشير إلى أن عددًا من مظاهرها يلتقي مع ما في كتب لحن العامة التي سبق ذكرها، كما أن عددا كبيرا من ألفاظ هذا المعجم ما تزال موجودة في العامية المغربية إلى اليوم، وسأقتطف مادة واحدة من القسم الثاني من هذا المعجم تدل على طريقته ،جاء في شرح كلمة  FLALA ما يلي :" لمة لمات زجاجة زجاجات دبلة دبل  - قطيع قطعان علالة علالات سعدية سعديات طاهرية طاهريات وطواهر فياشة فياشات مرشة مرشات قارورة قوارير إبريق أباريق"(24).
   فهذه كلها أسماء أواني متقاربة ومنها ما هو فصيح كإبريق وأباريق وقارورة وقوارير وزجاجة وزجاجات، ومنها ما هو من قبيل الألفاظ الأندلسية المغربية، مثل كلمة القطيع وقد شرحها ابن سعيد في المغرب بأنها قنينة طويلة العنق، ومثلها العلالة التي فسرها ابن هشام اللخمي بأنها نوع من الزجاج طويل العنق والكلمتان واردتان في الأشعار والأزجال الأندلسية والمغربية ولكن العلالة ترد عند ابن قزمان بلفظ العلال وما تزال مسموعة هكذا، وكلمة مرشة تطلق على قارورة تملأ بماء الزهر يرش به الضيوف ولا يخلو منها أى بيت مغربي، وكلمات لمة ودبلة وفياشة كلها أسماء أوان من الزجاج ولكنها لم تعد مسموعة في الدارجة المغربية اليوم، وأما طاهرية وطاهريات وسعدية وسعديات فإنها حسب اجتهادنا أسماء أنواع من الأواني الزجاجية استعملت بمدينة مرسية في عهد بني طاهر وبني سعد ابن مردنيش (25) .
   إن هذا المعجم يشتمل على ثروة هائلة من الألفاظ الأندلسية والمغربية التي كانت مستعملة في العصر الوسيط بالغرب الإسلامي، وما يزال كثير منها مسموعًا في بلدان المغرب الكبير، ومنها على سبيل المثال- الكلمات التالية :
   البراح ( أي المنادي ) ص 532. الرقاص ( من يمشي بالبريد ) ص 328 . السباط ( النعل ) ص 385. الزفاط (الكذاب ) ص 253 البسالة (الفضول ) ص 328. الدبيلة( الهم ) ص 245 . الحواس ( السارق وقاطع الطريق ) ص 532. السماط (الزقاق) ص276. الزرع( القمح ) ص 271. الخدية (المخدة) ص263. الخوخة (باب صغير) ص 525. القندورة (الدراعة ) ص 277. القرينة (الكابوس) ص272. الطروس (الكلب) ص 279 الخطارة ( نوع من السواقي) ص291. الفحص (البيداء) ص277. أم الحسن (العندليب) ص522 . الطيفور ( نوع من الصحون) ص474.المرجع (مسلحة في الحقل ) ص235.البندير (الدف) ص610.المخفية (نوع من الصحون).الحضار (الكتاب) ص272. القنوط (القصبة والكلخة) ص254. شرايي (صيدلاني) ص247. الشرجـب ( النافذة ) ص150. القبلة (الجنوب). الجوف (الشمال) ص200 . الطياب (الصحو) 577 .
    وقد قدر الله أن تذهب العين ويبقى الأثر فقد فجع شرق الأندلس بذهاب العربية وأهلها من هذه الجهة الواسعة وبقي الكلام الذي كانوا يتخاطبون به مجموعًا في هذا المعجم الذي عني بنشره المستعرب الإيطالي سكيا باريللي SCHIA PARELLI وطبع في روما عام 1871م .
   وثمة معجم ثالث يأتي بعد المعجم المذكور من حيث الترتيب التاريخي ولا يقل عنه قيمة وأهمية وهو معجم الراهب الإسباني بدرو دي ألكالا الذي نشر في غرناطة عام 1505م وهو كسابقه أُلّف بقصد الاستعانة به على تنصير المسلمين الذين بقوا تحت الذمة، وقد قام العضو الزميل فيديريكو كوريينتى بإعادة ترتيب هذا المعجم على أساس جذور الكلمات مع تعليقات وتدقيقات المتخصص المتمكن (26)، ومن أبرز المظاهر اللغوية فى هذا المعجم الذي كتبت فيه الكلمات العربية بحروف لاتينية مظهر الإمالة  التي عرفت بها اللهجة الغرناطية، كما ذكر ذلك ابن الخطيب (27) وغيره، فهم يقولون : بيب وميل ونيس في باب ومال وناس، وقد سخر الشاعر المغربي عبد العزيز الملزوزي لما زار الجزيرة الخضراء مع السلطان المريني وسمع إمامًا فيها يصلي بالناس ، وهو يقرأ سورة قل أعوذ برب الناس بإمالة  أهل البلد الشديـدة
فقال من شعر له :
قد بدل الوسواس بالوسيوس              وكذلك الخناس بالخنيس (28)
وأشير بعد هذا إلى عمل يتصل بمعجم ألكالا قام به راهب طليطلي اسمه :
PATRICIO DE LATORE .
فقد قام هذا الراهب الذي عاش في المغرب وسكن طنجة بإعادة النظر في معجم ألكالا فقد كتب ألفاظه بالحروف اللاتينية وأضاف كلمات ومعاني جديدة ووضع له العنوان العربي التالي :
   سراج في اللغة العجمية، المنقولة من اللغة الإسبانيولية إلى العربية . وتحت هذا ما يلي :
VOCABULISTA  CASTELLANO ARABICO
     وقد طبع هذا المعجم في المطبعة الملكية بمدريد سنه 1805م (29). إن هذا الراهب الطليطلي يعتبر استمرارًا للمذكورين قبله في الحرص على تعلم اللغة العربية عامة، واللغة العامية المغربية خاصة لغرض التبشير كما قلنا سابقًا ويمتاز عمل هذا الراهب بأنه يفيد في تصور التطور الذي وقع في العامية في وقته كما أنه سجل عددا من الأمثال المسموعة يومئذ كقولهم:
   " ما هو العيب على من حرث في السطح العيب على من خمس عليه ".
 ومما يلحق بهذه المعاجم المعجم الذي ألفه المستعرب الإسباني وعنوانه :
D. Francisco Javier Simonet Glosario de Voces Ibericas y Latinas Usadas Entre los Moz Arabes
    وقد جمع فيه الألفاظ التي كان يستعملها المستعربون وهم النصارى الذين عاشوا في ظل دولة الإسلام في الأندلس وكانوا يتكلمون ويتعاملون بلغة عربية فيها آثار رومانثية، وقد طبع هذا المعجم الذي يقع في جزأين بمدريد سنة 1888م. وكان هو والمعاجم التي ذكرتها قبله من مصادر المستعرب الهولندي دوزي في معجمه المفيد الذي أسماه " تكملة المعاجم العربية " وشهرته تغنينا عن الحديث عنه . وسنختم هذه السلسلة من معاجم اللهجات المغربية بمعجم يمثل اللهجة الدارجة بمدينة طنجة وشمال المغرب في سنة 1892م . ونعني به معجم الراهب J.LERCHONDI وعنوانه :
Vocabulario Espanol Arabico    ، وقد طبع هذا القاموس عدة مرات وكان مرجعًا للإسبان العاملين في مصالح الحماية الإسبانية بشمال المغرب وكذلك لدى أعضاء البعثة الكاثوليكية الإسبانية التي كان مقرها في مدينة طنجة، ويبدو أن إقامة سفراء الدول الأجنبية وقناصلها في هذه المدينة كان مما دعا إلى تدوين اللهجة العامية فيها من أجل التفاهم بها مع الأهالي وقد ذكر وليام مرسيه W.MARCAIS  في مقدمة كتابه  Textes Arabes de Tanger  أن نصوصا من لهجة طنجة  جمعها عدد من مستعربين أجانب، وقد اشتمل كتابه المذكور على نصوص متنوعة من هذه اللهجة شفعها بمعجم شرح فيه الألفاظ الواردة فيها ورتبها على الحروف الهجائية وهي على درجة عالية من المعرفة اللغوية والتوثيق الواسع والإحالات الغنية، ولا عجب في هذا فقد كان الرجل من شيوخ الاستعراب في فرنسا وقد تتلمذ على يديه عدد من المستعريين الفرنسيين في مدرسة اللغات الشرقية الحية، ومن أبرزهم كولان الذي حقق ونشر نصوصًا عربية وعامية مختلفة وكتب أبحاثًا متنوعة في اللهجات وترك معجمًا شاملا في العامية ظهر بعد وفاته في طبعتين :إحداهما بإشراف السيد زكية العراقي من معهد الدراسات والأبحاث للتعريب بالرباط والأخرى قام بها ألفريد دوبريمار الأستاذ بجامعة ايكس .
   وبعدُ، فهذا عرض عام لمعاجم العامية المغربية التي وضعت قديمًا وحديثًا، وقد سردتها سردًا تاريخيًّا مكتفيًا بما له قيمة لغوية وعلمية واضحة، وكنت أنوي أن أشفع هذا المسرد المعجمي بمسرد آخر لنصوص العامية المغربية المنشورة من أزجال وأمثال وحكايات وما ألِّف من قواعد وضوابط في مختلف اللهجات  المغربية، ولكن وحدة الموضوع جعلتني أكتفي بما ذكرت، وقد سبق لي أن أنجزت بعض الدراسات في أمثال العامية المغربية وأزجالها (30) .
   وأود أن أشير إلى قيمة هذه النصوص وتلك المعاجم في دراسة مظاهر التطور اللغوي في البلاد العربية عبر العصور وهو التطور الذي تحدث عنه ابن خلدون في المقدمة (31) وقام باحثون غربيون وعرب بدراسته وكان منهم الألماني يوهان فك الذي قدم عملاً جيدًا في هذا الباب وقد أعجبتني العبارات التي ختم بها كتابه وهي قوله :
   "إن العربية الفصحى لتدين حتى يومنا هذا بمركزها العالمي أساسيًّا لهذه الحقيقة الثابتة وهي أنها قد  قامت في جميع البلدان العربية وما عداها من الأقاليم الداخلة في المحيط الإسلامي رمزًا لوحدة عالم الإسلام فى الثقافة والمدنية .
  ولقد برهن جبروت التراث العربـي التالد الخالد على أنه أقوى من  كل محاولة يقصد بها إلى زحزحة العربية الفصحى عن مقامها المسيطر.
   وإذا صدقت البوادر ولم تخطئ الدلائل فستحتفظ بهـذا المقام العتيد من حيث هي لغـة المدنية الإسلاميـة ما بقيـت هنـاك مدنيـة
إسلاميـة " (32) .
 الحواشي
1-انظر النموذج المذكور في مقدمة الجزء الأول ص XVI وص XVII  .
2-المعيار 11: 155 158 نشر وزارة الأوقاف المغربية .
3-ترجمته فى الإحاطة .
4-انظر كلام الراهب المذكور عن المقامات واستشهاده ببيتي الحريري "اللذين أسكتا كل نافث، وأمنا أن يعززا بثالث" في المعيار 11 : 157.
5-تاريخ الفكر الأندلسي تأليف بالنثيا وترجمة حسين مؤنس 540- 542.
6-انظر دراستنا حول الجذور التاريخية للاستعراب الإسباني في كتاب المغرب في الدراسات الاستشراقية . مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية  1993 م .
7-انظر فيه مقدمة الجزء الأول من
تكملة المعاجم العربية لدوزي:ص X.
8- XV: Vocabulario Espanol Arabico
9-هو السيد جادة القيم على مكتبة كلية الآداب بالرباط .
10- Bibliographie    Analytique  des  
Publications de l’lnstitut des Hautes Études  Marocaines  1915 - 1959
 11-هو من مطبوعات كلية الآداب بالرباط سنة 1989م .
12-انظر بحث الأستاذ عبد الله كنون في كتابه التعاشيب من ص 119 إلى ص 135.
13-نشر هذا البحث في كتاب خل وبقل من ص59 إلى ص 87 .
14-الزجل في الأندلس، مطبوعات معهد الدراسات العربية العالية :
هـ، 9 .
15-طبع بمصر في سنة 1964م بتحقيق الدكتور رمضان عبد التواب ثم طبع بالكويت سنة 1968م بتحقيق الدكتور عبد العزيز مطر .
16-نشرت الألفاظ المغربية فى مجلة معهد المخطوطات العربية في الجزأين الأول والثاني من المجلد الثالث سنة 1957 م .
17-نشر أول مرة مجزءًا بتحقيق الدكتور حاتم صالح الضامن، ثم نشر مرة ثانية كاملاً بتحقيق المستعرب الإسباني خوسيه بيرس لاثرو.
18-يوجد هذا التأليف مخطوطًا ضمن مجموع في الخزانة الحسنية بالرباط تحت رقم 12315 .
19-انظر المجلد 13 سنة 1931م وأعاد الأستاذ إبراهيم السامرائي نشره فى كتابه نصوص ودراسات عربية وإفريقية ووهم في نسبته إلى ابن خاتمة .
20-طبع كتاب الجمانة فى مطبعة المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة سنة 1953 م .
21-انظر إحصاء لها في معجم المعاجم لأحمد الشرقاوي إقبال من ص66 إلى ص 89 .
22-طبعت هذه الرسالة بعناية عبد العزيز الميمني .
23-تكملة المعاجم ج1 صvlll وصix .
24-انظر ص 388 من القسم الثاني
من المعجم المذكور .
25-لعل دوزى وهم حين قرأ كلمتي طاهرية وطاهريات بالظاء المشالة ونسبها إلى السلطان الظاهر بيبرس كما نسب السعديات إلى من اسمه الشيخ سعد الدين راجع مادة طاهرية في معجم دوزي .
26-عنوانه :Elléxico Arabe Andalusi 
. Segun P. de Alcala Madrid 1988  .
27-انظر الإحاطة لابن الخطيب ج1 ص134 .
28-من مقامة نشرناها في العدد الأول من مجلة كلية الآداب بالرباط سنة 1977م .
29-انظر كتاب Braulio Justel  Calabozo  حول هذا الراهب الطليطلي، وهو من مطبوعات دير الأسكوريال سنة 1991 م .
30-أمثال العوام في الأندلس القسم الأول من ص 273 إلى ص 300 مطبعة جامعة محمد الخامس 1975 وملعبة الكفيف الزرهوني من ص 41
إلى ص 50  والعاميـة الأندلسيـة المغربية بين أمثال الزجالي وملعبة الكفيف الزرهوني .فصلة من أعمال الملتقى الدولي حول التداخل اللغوي بين اللغة العربية واللغات الرومانثية في شبه الجزيرة الإيبيرية سرقسطة سنة 1994م .
31-المقدمة ( فصل في أن لغة أهل الحضر والأمصـار لغة قائمة بنفسها
مخالفة للغة مضر ) .
32-العربية دراسات في اللغة واللهجات والأساليب :234 .

 

 



    

العربية في تونس بين الفصحى والعامية لمحمد الحبيب بن الخوجة رحمه الله

    

أشار العلامة ابن خلدون منذ القرن الثامن للهجرة إلى طبيعة هذه اللغة التي نكتب بها ونتحدثها في ديارنا التونسية.فقال في القسم السادس والأخير من مقدمته   في الفصل التاسع والثلاثين حين تكلم على لغة أهل الحضر والأمصار لعهده وتميزها  عن لغة مضر:
" اعلم أن عرف التخاطب في الأمصار وبين الحضر ليس بلغة مضر القديمة ولا بلغة أهل الجيل، بل هي لغة أخرى قائمة بنفسها بعيدة عن لغة مضر وعن لغة هذا  الجيل العربي الذي لعهدنا، وهي عن لغة مضر أبعد. فأما أنها لغة قائمة بنفسها فهو ظاهر يشهد له ما فيها من التغاير الذي يعدّ عند صناعة أهل النحو لحنًا، وهي مع   ذلك تختلف باختلاف الأمصار في اصطلاحاتهم؛ فلغة أهل المشرق مباينة بعض الشيء للغة أهل المغرب، وكذا أهل الأندلس معهما. وكل منهم متوصل بلغته إلى تأدية مقصوده والإبانة عما في نفسه. وهذا معنى اللسان واللغة. وفقدان الإعراب ليس  بضائر لهم.  وأما أنها أبعد عن اللسان الأول من لغة هذا الجيل فلأن البعد عن اللسان إنما هو بمخالطة العجمي واعتبر ذلك في أمصار إفريقية والمغرب والأندلس والمشرق. أما إفريقية والمغرب فخالطت العرب فيها البرابرة من العجم بوفور عمرانها بهم، ولم يكد يخلو عنهم مصر ولا جيل. فغلبت العجمة فيها على اللسان العربي الذي كان لهم وصارت لغة أخرى ممتزجة. والعجمة فيها أغلب لما ذكرناه، فهي عن اللسان الأول أبعد".
   وهذه الفقرة التي اقتطعناها مـن المقدمة هي أقدم نص وقفنا عليه يتعرض لموضوعنا ويحدد معالمه. فلا بدع إذا كان المرجع والمنطلق لأكثر من درس هذه القضية من المستشرفين.فهو يضع الأصول الثلاثة للبحث:




 أولاً: قرب اللسان الأول لأهل الحضر والأمصار زمن فتحها وبعده بقليل من لغة مضر.
ثانيًا:اختلاف العربية عربية الحواضر والأمصار بعد ذلك عن اللسان الأول، واختلافها بعضها عن بعض في اصطلاحاتها .
ثالثًا:اختلاف لغة أهل إفريقية عن اللسان الأول بسبب الاختلاط بالأعاجم .
وهذه الأصول أو الجوانب الثلاثة أو قل هذه النتائج أو الحقائق التي انتهى إليها وأقرها ابن خلدون، هي مع اختلاف الأسباب والطبيعة فيما بينها، جد هامة قمينة بالبحث جديرة بالشرح والتعليل. ولو تناولت الدراسات كل واحد منها بعينه مستقلاًّ عن غيره لما كان ذلك كثيرًا، بجانب ما يمكن أن يكشف عنه من عوامل تاريخية  وأسباب اجتماعية وسياسية، وعناصر اقتصادية وحضارية وظواهر نطقية ولغوية،  وليس مثل ذلك بوسعنا في هذه العجالة .
ولكننا نكتفي بالإشارة إلى جملة من ذلك عند تعرضنا لتلك الأصول والجوانب كلها، ونحاول قبل الحديث عن العربية بتونس بين الفصحى والعامية أن نمهد لذلك بكلمة قصيرة مقتضبة نتعرض بها إلى لغة أهل إفريقية قبل الفتح العربي الإسلامي؛   ليتبين لنا بالمقارنة الدور الجليل الهام الذي لعبته العربية بإفريقية خاصة وبالمغرب عامة، والاعتبار الكبير والمنـزلة الرفيعة التي كانت للغة الضاد في نفوس البربر كافة، حضريّهم وبدويّهم من سكان المدن والسواحل والقرى أو من سكان النجاد والتلال والبوادي.
وبالرجوع إلى المصادر المختلفة المتعددة نجد أن البربر الذين انتشروا في البلاد الممتدة من غربي النيل بواحة سيوة بمصر إلى المحيط الأطلسي بالمغرب الأقصى كانوا يتكلمون لهجات بربرية متعددة، تنحدر في جملتها من أحد الأصلين النوميدي أو   الليببي لغة ماسينيسا ويوغرطة. وأن هذه اللهجات - وإن اتحدت جنسًا - متباينة فيما بينها بحيث لا يحصل التخاطب بواحدة منها ولا التفاهم عن طريقها بين من يسكن جبال نفُّوسة بطرابلس وبين من يعمر بلاد الريف بالمغرب. والبربرية وإن كتبت قليلاً في القديم  كما تشهد لذلك بعض النقوش فإنها لم تكن لغة حضارية. ولحروفها شكل خاص كانت تتميز به. وربما وجدنا أثره ماثلاً في أبجدية التوارث " التفيناق ". ومما يشهد بضيقها ومحليتها وعدم وفائها بما يحتاج الإنسان للتعبير عنه من مشاعر وأفكار رُكون ملك نوميديا البربري ( يامبسال ) إلى اللغة الفينيقية لتحرير كتبه، واعتماد  الملك البربري الآخر ( يوبا الثاني ) اللغة اليونانية في رسائله ومؤلفاته.
ومهما يكن من أمر، فإن عامة المواطنين من البربر المغاربة كانوا منعزلين أو في حكم المنعزلين عن الحكام والسادة الذين ملكوا بلادهم وحكموها في الجاهلية من فينيقيين ورومان وفندال وروم بيزنطيين، ولكن هذا لا ينفي البتة أن الطبقة الأرستقراطية من الحكام ورجال الإدارة والجند كانوا يتكلمون لغة غير لغة البربر هي الفينيقية في عهد قيام دولة قرطاجنة، واللاتينية في عهد الحكم الروماني.
وقد تساءل ( وليم مارسي ) عما يمكن أن تكون قد وجدته اللغة العربية من صراع مع بقايا الفينيقية واللاتينية بإفريقية والمغرب. فعرض للافتراض القائل بأن الفينيقية يسرت انتشار العربية في بلاد البربر لاشتراكهما في الأصل السامي .
ورَدَّ هذا القول لخفته وعدم قيامه على حجج ثابتة. وتحدث عن اللاتينية التي  نوّه بها كلغة حضارة ودين، واعتبر أن سلطانها كان في هذه البلاد عظيمًا، فبلاد  المغرب أعطت لروما إمبراطورًا كبيرًا هو سبتيم سيفير SEPTIME SEVERE ، وكاتبًا فائقًا هو آبولى APULEE ، كما أخرجت للمسيحية قديسين عظيمين هما ترتوليان TERTULIEN   وأوجستان AUGUSTIN ، ولكن ذلك لم يمنعه من الاعتراف بأن اللاتينية زالت واضمحلت من ربوع إفريقية والمغرب بهجوم الفندال، فلم تبق إلا في النقوش وما تكشف عنه الحفريات، وأنها أخذت في التقلص والفناءِ من منتصف القرن الخامس المسيحي. ورغم شهادة ( الإدريسي ) في القرن الثاني عشر بوجود اللاتينية بالجنوب التونسي وأنها كانت مستعملة بقفصة، فإن ممالا شك فيه أن هذه اللاتينية البربرية كانت ضعيفة محرفة لا تنتسب إلى لغة أوفيدOVIDE  وفرجيل VIRGILE وسيسارون CICERON  وأُوجوستان  AUGUSTINفهي لم تعد ولم تبق لغة حضارية تستطيع أن تثبت أو تصمد أمام لغة الغزاة العرب التي تحمل معها أدبًا وفكرًا وحضارة ودينًا .
وما إن تم فتح إفريقية والمغرب ودخل الناس في دين الله أفواجًا حتى قطع البربر كل صلة لهم بأمم غربي البحر الأبيض المتوسط، وولَّوا وجوههم شطر الشعوب  المشرقية العربية بمكة والمدينة، ودمشق، وبغداد، والفسطاط . وقد كان هذا التحول رائعًا وقويًّا سرعان ما شمل إفريقيا وما وراءها من المغربين الأوسط والأقصى وبلاد الأندلس . وامتزج العرب بالبربر وأورثوهم لغتهم ولقنوهم عقيدتهم وأشركوهم في حضارتهم وأسباب عزتهم. ومن يعد إلى المصادر التاريخية يلاحظ أن تعريب إفريقية تم على مرحلتين: الأولى ابتداء من زمن الفتح في القرن الأول للهجرة، والثانية في المائة الخامسة عند زحف بني هلال وسليم .
 ولم يكن التوطن والاستقرار للعرب الفاتحين في المرحلة الأولى بغير المدن القديمة التي وجدوها بإفريقية أو بالمدن المستحدثة التي بنوها لأنفسهم مثل القيروان التي قال بشأنها مؤسسها عقبة بن نافع: " مدينة تكون للمسلمين قيروانًا وعزًّا للأبد ". وهكذا فإن الجنود التي أقبلت من الشام ومصر إلى شمالي إفريقيا في عهد الأمويين وأوائل دولة بني العباس، والتي لم يكن عددها يقل عن مائة وخمسين ألف نفر مع من يتبعهم من نساء وأطفال وموظفين ودعاة استقرت كلها في المدائن، كما لاحظ ذلك ابن خلدون حين قال: " لأن الملك الذي حصل لهم يمنعهم عن سكنى الضاحية ويعدل بهم إلى المدن، والأمصار ". وبالطبع أصبحت هذه المدائن آهلة بمن دخلها من مضريين  وقيسيين ويمنيين، وبمن وفد عليها من مختلف القبائل اليمينة إلى جانب القرشيين والأنصار وعدد من جند خراسان. وعلى مدى قرن ونصف انتشر العرب في مراكز إفريقية التي اتسعت فشملت من الجنوب نصف طرابلس، ومن الغرب ثلث قسنطينة. وتحولت المدن البيزنطية في شمال إفريقيا مثل باجة ومدينة تونس وحتى قابلس في الجنوب إلى مدن عربية. وباتت هذه وأمثالها خاضعة لحركة تعريب جماعي امتد إلى المراكز الحساسة المتصلة بها والتي تحكم البلاد سياسيًّا واقتصاديًّا وتوجهها اجتماعيًّا . وأصبحت العربية بها جميعًا لغة الحوار وأساس الحضارة وأداة التعبير عن كل المشاعر والأفكار. وراع البربر الذين اختلطوا بالعرب إلى حد الامتزاج ما بلغة الضاد من  روائع وما في القرآن من إعجاز. واتخذوا من نماذج الأدب الإسلامي والجاهلي أمثلة وصورًا يحاكونها ويتأدبون بها، وبهرهم الإنتاج الأدبي والعلمي واعتدوا به تراثًا فخمًا. وحملهم التقدير للعرب والرغبة في الانتساب إليهم ولو ولاءً إلى تعلم العربية والتخرج على طرائقها وحذقها، ثم التزامها وسيلة أداء، والتزام ما يرتبط بها من مجموع الأذواق الجمالية والاتجاهات الشعورية والعادات وأساليب التفكير .
ساعد على تحقيق ذلك الدعاة والمعلمون والإِرساليات الموجهة إليهم من المشرق قصد تعليم اللغة والدين. وقامت المدارس والمساجد بهذه المهمة في العاصمة الجديدة القيروان التي أسس بها أول مسجد بإفريقية والمغرب، وكذلك بالمدن الإقليمية مثل  تونس حيث ازدحم البربر والرومان والخراسانيون بها مع العرب ، وجرى الحديث بينهم عربيًّا فصيحًا، وظهر في عديد من المدن والأمصار الإفريقية جماعة من الشعراء والخطباء والعلماء والفقهاء، وشد أبناءُ إفريقية الرحلة إلى المشرق للاتصال بمالك بن أنس إمام دار الهجرة رضي الله عنه، أو للأخذ عن تلميذه ابن القاسم بمصر، وذهبوا إلى البصرة وبغداد والشام وغيرها. ونفقت العربية لسان الدولة والدين وأصبحت لغة الشعب الذي يقطن المدن والأمصار وما يتصل بهما من الضواحي. وهي وإن اختلفت أحيانًا في الحوار عن اللغة المكتوبة فبالتخفيف من الحركات والتسكين غالبًا لأواخر الكلمة، ونحن وإن استطعنا الرجوع إلى كثير من النصوص والشواهد المدونة المكتوبة نتبين بها حقيقة انتشار هذا اللسان وظهوره ظهورًا كاملاً على غيره في هذه الديار   فيما جمعه لنا المغفور له الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب في كتابيه: الورقات، والمنتخب التونسى. والشيخ محمد النيفر من قبله في كتابه: عنوان الأريب فيما نشأ بإفريقية من عالم وأديب، أو عدنا إلى ما دوَّنه العلماءُ والفقهاءُ والخطباءُ والكتابُ والشعراءُ من آثار تنطق بحذق أبناء إفريقية لهذا العهد حذقا تامًّا للسان العربي، فإنا لم نقف على ما يشهد بمثل ذلك للحوار اليومي العادي الذي كان يدور بين السكان الأصليين وحاكمي البلاد ومسيِّريها من العرب، بين التجار والموظفين والسواد من السكان في المدن والأمصار بإفريقية. وقد ذهب غير واحد من العلماء والمؤرخين إلى  أن الفرق بين لغة الحوار واللغة المكتوبة في ذلك الظرف لم يكن كبيرًا ولا بعيدًا .
أما خارج المدن والأمصار في التلال والنجاد والبوادي والمناطق البعيدة عن  تلكم المراكز فإنا نعتقد أن العربية كانت مجهولة جهلا تامًّا، أو على الأقل كان الحوار والحديث بغيرها بين البدو وأهل الريف من البربر ومن انضم إليهم من غير العرب من بقايا الأمم والشعوب التي كان لها بالسكان الأصليين ارتباط.
ومن هذا يتضح لنا أن التعريب في القرون الأربعة الأولى لم يشمل أطراف البلاد، وكان على الأعراب الذين زحفوا على إفريقية في القرن الخامس أن يتموا ذلك ويضطلعوا به على الوجه الذي اقتضاه تفرقهم وانتشارهم في كامل أنحاء إفريقية وخارجها.
قامت بهذا الزحف قبيلتان قيسيتان هما: سليم، وهلال جاءتا من مصر إلى المغرب قصد الإطاحة بالنظام الزبيري والدولة لصنهاجية التي خلعت علنًا طاعتها وتبعيتها للدولة الفاطمية بالقاهرة . وقد كان بنو هلال الذين دخلوا إفريقية يمثلون فروعاً ثلاثة هي زغبة، وأثباج، ورياح. وقد انضم إلى هؤلاء وأولئك الأعراب فلول  من عديّ وجُشَم وعنـزة وعدد من اليمنيين ينتسبون إلى معقل، دخلت هذه القبائل بأَكملها يتبعها النساءُ والشيوخ والولدان، وكان عددهم يبلغ مليون نسمة، فعاثوا فسادًا بالقيروان، وبعد أداء مهمتهم التي جاءوا من أجلها لم يستقروا بالعواصم   والمدن، ولكنهم  انتشروا في أطراف البلاد، ومنها تسربوا إلى كثير من أنحاء المغرب .
وخلال قرون ثلاثة تم تعريب البلاد التونسية كلها على أيديهم. ونحن لا نعرف على التحقيق ولا نكاد نجزم بأن العربية الجديدة التي دخلوا بها وأشاعوها فيمن حولهم هي تلك العربية المكتوبة التي تحدثنا عنها، أم هي عربية أخرى تتمثل في لغة  هذه القبائل والعناصر المختلفة في لهجاتها وألسنتها. ولو صدقنا الروايات الشعبية التي تحكي لنا مغامرات بني هلال ورياح لوجدنا بينها وبين العربية نسبًا، ولكنها بدون  شك ليست هي العربية التي عرفناها في نصوص الأدب والشعر وكتب العلم والفقه.
ومن ذلك العهد - فيما نحسب - اختلفت اللغة العربية بإفريقية بين العربية المكتوبة المدونة أو الفصحى وهي عربية التدريس والتعليم والإنتاج الفكري والثقافة، وبين العربية الدارجة العامية التي يتحدثها عموم الناس ويتكلمها حتى الخاصة في غير شئونهم المهمة ومواقفهم الرسمية. وربما سميت العربية الأكثر انتشارًا بين السواد من العامة " البربري " لأن المتكلمين بهذا اللسان في الأصل من البربر لم يبلغوا في النطق بها واستعمالها مبلغ المتكلمين "بالعربي" ؛ أي باللسان العربي من الفقهاءِ والعلماءِ والأدباءِ والقضاة والأئمة والعدول والمعلمين ونحوهم. ومما يؤكد ذلك إطلاق عامة أهل تونس إلى عهد غير بعيد وصف " الفقُهي " هكذا بضم القاف على اللسان العربي الفصيح مقابلة له بالبربري أو العامية والدارجة للغة الحوار .
ومن الملاحظ أن العربية الفصيحة كانت وما تزال هي هي بين كل الأقطار والأمصار في البلاد العربية. فهي لغة القرآن ولغة الدين يتدارس الناس قواعدها  ويبحثون قوانينها والتصرفات القولية فيها، مع ما يروونه أو يكتبونه من روائع الأدب والشعر بها. أما الدارجة العامية فهي مختلفة اختلافًا كبيرًا من قطر إلى قطر ومن مصر إلى مصر. فلغة الحوار بالمغرب تباين مباينة واضحة لغة الحوار بالمشرق؛ لخضوع كل مجتمع  للهجة تميزه بحسب اختلاط العربية فيه ببقايا اللغات أو اللهجات التي كانت مستعملة به. ولغة الحوار بالمغرب وإن اتفقت في الجملة لكنها متمايزة بين أهل ليبيا وطرابلس وتونس والجزائر والمغرب الأقصى والأندلس. وذلك بقدر غلبة العجمة على اللسان، وتمايز العناصر في البيئة المتكلمة بالعربية فيها؛ فبحسب الهجرة والعوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يكون تفاعل الألسنة، ويظهر أثر ذلك - وإن  اختفى في الأكثر في اللغة المكتوبة - فيما تتداوله الألسنة ويستعمله العامة من كلام تعبيرًا عما في نفوسهم وتصويرًا لخواطرهم وآرائهم.
ونحن بإفريقية أو تونس بعد أن شمل التعريب الكامل أطراف البلاد في نهاية القرن الثامن، أي بعد ثلاثمائة سنة من الزحف الهلالي، تعرضت البلاد إلى حملات من الخارج، وتلقت عناصر من المهاجرين الأندلسيين آوتهم، أو من الزاحفين والمتسلطين كانت لهم مقرًّا. وكان لتلك وهؤلاء أثر واضح في لغتنا وما تجري به طرائق   الاستعمال عندنا .
فالمهاجرون الأندلسيون وما انتقلوا به إلى إفريقية من صناعات وعادات  وتقاليد، والاحتلال الأسباني وما تركه من آثار في لغة الخطاب والحوار، والفتح  العثماني وما صاحبه من أنظمة وأوضاع وترتيبات وأحوال، والعنصر الإيطالي أو الصقلي الذي لقرب الدار كان يتردد على الثغور والعواصم ويعمل في المزارع وصيد البحر وصناعة البناءِ، والحكم الفرنسي الذي هيمن بنفوذه ومدارسه ومؤسساته   ونظمه على البلاد ردحًا من الزمن، كان لهم جميعًا أثر أي أثر في اللغة الدارجة وفي الحياة المستحدثة المستجدَّة والمتطورة، وكانت لتلك الفئات والأجناس المختلفة والمتعددة مع البقية القليلة من العنصر البربري دخل كبير في تشكيل العربية العامية بتونس، بصورة يختلط فيها اللسان العربي الفصيح بألوان الرطانات والاستعمالات الغربية، التي تنطق كلها بتلك النسب والعلاقات التي كانت وما تزال للعنصر العربي الغالب أو المستعرب من السكان بغيره من العناصر المعايشة له والممتزجة به .
ومن المناسب أن نلمح هنا إلى آثار هذه الألسن الأعجمية في لغة الحوار التونسي:
أما أثر البربرية التي لم تكن - كما سبقت الإشارة إليه - لغة حضارة وعلم وأدب والتي كتبت قليلاً وبأحرف عربية من عهد ابن تومرت الذي استعملها لنشر عقيدته ومبادئه السياسية والإصلاحية بين عامة البربر في بلاد المغرب، فإن التجمعات السكنية المتحدثة بها لا تكاد تذكر بالبلاد التونسية وبالمقاطعة الغربية من الجزائر ووهران؛ لأن نسبة الباقين من البربر بهما لا تتجاوز 1% من عامة السكان .
وهذا الوضع يختلف بالطبع عن النسبة المرتفعة لهم ببقية بلاد المغرب؛ إذ تبلغ تجمعاتهم بطرابلس 23% من السكان، وبقسنطينة27% وبالجزائر 34 % وبالمغرب الأقصى40%، فلا بدع إذن إذا كانت الكلمات البربرية المستعملة في العامية الطرابلسية والقسنطينية والجزائرية والمغربية أكثر من التي نجدها بدارجة وهران أو  تونس. ولا بدع أيضًا إذا كانت بجبال نفُّوسة وجبال أوراس وبلاد القبائل وبالريف  من بلاد المغرب وبجبال الأطلس جماهير متميزة تتحدث إلى اليوم اللسان البربري، وإن اختلف هذا اللسان اختلافًا كبيرًا من جهة إلى أخرى، بحيث لا يكاد أصحاب المناطق المتباعدة المتكلمة به التوصل إلى التفاهم عن طريقه، وإن شعروا بكونهم يتكلمون لغة واحدة وينتسبون إلى أصل واحد.
واللسان البربري بتونس كنا نسمعه من ثلاثين سنة بين الدويريّة من المستوطنين للعاصمة وضواحيها، أو يتراطن به الخومّس من الجرابة كما نقول في تونس وهم أهل جربة من الخوارج. ويمكننا بسهولة أن نحدد المناطق المتحدثة بالبربرية فيما بينها وبالدارجة مع بقية الناس في جنوبي البلاد شرقي مدينة قفصة بتماقرت والسند وشمالي مطماطة بزوارة وتمزرت، وبجزيرة جربة باجيم وقلاَّلة وصدويتش  والماي ومحبوبين وسدريان، ومازلنا إلى اليوم في اللسان التونسي نستعمل استعمالاً  شائعًا كلمات بربرية مثل :
آبْزيز عند زواوة وبجاية جراد .
بُويْزِيز عند الشاويّة صَرصر.
تَبْرُورى، من أبْرُورى، ويقال:تَبْريروبرَد .
علوش من تعْلاش، أعلوش ج يعلوشن خروف ، خرفان.
فَرطاس من أَفَرْطاس، من أصابه القرع أقرع .
فَرْطَطوُّ ويقال: بُوفرْططو وأفرْطَطُّو فراشة .
فَكْرون أفْكَر، أيَفكر ج أيفْران، أفكر الماءُ، أفكر الصحرى سلحفاة .
قَرْجُومة أكَرْزُوم تكرزمت تكرجومت مقدم العنق .
قطوس قتوس أكطوس ، ياطوس قط .
كركر كركور كتلة من الحجارة المقدسة بجنوب المغرب، وتسمى بها قرية بالساحل التونسي، وهي أيضًا لقب عائلي .
أما الكلمات الأسبانية التي نقلها المهاجرون الأندلسيون إلى إفريقية في عهد الدولة الحفصية فهي على نوعين؛ منها ما هو عام وهو كثير نذكر منه على سبيل   المثال الألفاظ التالية :
بَاله Pala   مجرفة رفش . روشْكة rosca  لولب .
شيْرِلَّة من شِرْبيل Servilla   حذاء نسائي على شكل " بلغة " صغير جميل  الصنع ويصنع من الجلد الملون من القطيفة مطرز.
شِرِلَّيه Cerraja  قفل .
قَجَر cajon  درج.
كريطة Carrita  عربية مركبة تجرها دابة .
كنباص Compas  آلة ضبط. بوصلة، ميزان موسيقي، فكر يقود ويدير.
كياس Calles  طريق معبد. شارع.
ومنها ألفاظ اصطلاحية تستعمـل عند العمال المخصصين بصناعـة الشاشية لم
نقف بعد على الكلم الموافقة لها في اللغة الأسبانية مثل:
شنتار: تسمى به شوكة الكرضون التي قطعت من نصفها .
كنيوتش: عود من الكرضون اليابس رقيق تثبت به البوصات الخمس.
ومنها - وهو كثير - الألفاظ الاصطلاحية المتداولة حتى اليوم بين أهل صناعة الشاشية والتي أمكننا أن نضبط بصورة دقيقة أصولها الأسبانية وذلك مثل :

أباكار

Abacar
إتمام إنجاز المرحلة الثانية من ندف الشاشية بالكرضون .
أفينار

Afinar
إحكام المرحلة الثالثة والأخيرة من ندف الشاشية وتكون بكرضون خاص، وكلمة أفينار وصف يلزم حالة واحدة مفردًا وجمعًا تقول: شاشية أفينار، وشواشي أفينار .
بازويلا

Bazuila
حلقة خشبية صغيرة تجعل قاعدة لقطع الكرضون الخاص التي تشد إليها في تماسك الواحدة فوق الأخرى في شكل أسطواني .
باطان

Batan
 معمل التلبيد، تغسل به الشواشي بالماءِ الساخن والصابون وتوضع في قوالب خشبية .
بانكو

Banco
مكان لصانع الشاشية يجلس بـه ويضع أمامه الآلات التي يستخدمها في عمله .
بتتور

Batidor
عصا كعصا الشرطي وأطول منها قليلاً تضرب بها الشاشية لتنظيفها .
بترون       

Patron
قطعة من الجلد السميك على شكل الشاشية توضع هذه فوقها عند الصنع وتعطيها الشكل المطلوب .
بذير       

Pared
حائط الشاشية ـ ارتفاعها .
برقميلو     

perqamino
قطعة من جلد الماعز مدبوغة تحفظ بها الشاشية بعد صنعها وقاية لها .
 بروكة      

Bronca
السلك الحديدي الذي تثبت به الأجزاء التي يتألف منها البضاطورش، وهي الشاوش والبزويلة    والقصبة أو عود العناب .
برينشة         

Prensa

مكبسة خشبية بها ألواح كثيرة يسمى الواحد منها تبليقة، ومغزلان. وتشد بلولبين بأعلاهما ثقب يدار بقروطي .   
بضاطورش             

Batidous
مشط، آلة تلين شعرة الصوف بعد ندف الشاشية بواسطة الضبنينة .
بلادا         

Bilada
مجموعة الشواشي التي يحتوي عليها الباطان .
بورة

Borra
مجموع ما يفصل من أشعار الصوف أو ما يقص منها عند صنع الشاشية وشمنيار البوردى، وهو ما يفصل بالنقص من حرف الشاشية بعد صبغها وصنعها .
بوردى   

Borda
حرف الشاشية .
بوطار       

Botar
المرحلة الأولى من مراحل ندف الشاشية .
بى

Pié

أولى القطع الخمس من الكرضون، الذي يتألف من البضاطورش وأكبرها حجمًا. والواحدة من القطع تسمى بوصة .
بينسيج    

Pinzos  
ملقاط.
تبليلة

Tablila
واحد الألواح الموجودة داخل البرينشة .
تريميذو

Trésmédio
القطعة الرابعة من الكرضون .
تكليلش

Téjerillas
مقص خاص يقطع به الكرضون والشمنيار .
تواركو

Tuérco
ثقب بأعلى اللولب الذي يشد البرينشة .
دوميدو

Dosmedo
القطعة الثانية من القطع الخمس من الكرضون وتسمى أيضًا الثانية .
شوبو

Hisopo
مرشَّة زيت يدهن بها حديدتا المقص .
شينتو
Ascientio
المكان الخاص بالصانع الواحد ويكون أمامه.
طريحة 

Tarca
ما يعين للصانع عمله في وقت محدود ، وهي في هذه الصناعة مجموعة 12 شاشية .
فوندة

Funda
ورق مقوَّى يوضع على بذير الشاشية لوقايتها من الخرم .
قروطي      

Garrote
مضغط .
كبيتة

Copete
خصلة شعر - وهنا خصلة من حرير تثبت بواسط أعلى الشاشية، ويشدها كبيتش وهو فتيلة صغيرة من حبل صوفي ملبد .
كبيسة

Cabeza
المعلم، والقطعة الخامسة وهي العليا من الكرضون - كبيسة بانكو Cabeza-Banco رئيس الصناع .
كرديتة

Cardita
قطعة مـن جلد بها مسامير معدنية ينفى بها الكرضون من البورة .
كرضون

Cardo
نبت بأعلى سوقه شوك تتخذ منه منادف لإثارة شعرات صوف الشاشية بعد تلبيدها، والكلمة   عامة مستعملة في اللغات الرومانية كلها.
كروصان

Cruzar
حرف نصف الشاشية .
كروضو

Crudo
الشاشية بعد تلبيدها بالباطـان وقبل صنعها، والكلمة وصف يلزم حالة واحدة إفرادًا وجمعًا .
كريل

Caril
مجموعة الشواشي عددها 24 .
كواترو

Cuatro
الجزء الواقع بين البذير وحرف الشاشية .
كوارتيش

Cuartel
قطعة من جلد ضأني صقيل توضع في الشاشية بعد إكمال صنعها لتكون ملساء ناعمة .
كورنيلتة

Cornilla
سقف الشاشية .
كوكان

Cojel
قطعة من الجلد يضعها العامل على ركبته تساعده على صنع الشاشية بعد صبغها .
لمبديش

El  envés
داخل الشاشية .
لميتة

Laminita
آلة تشبه المبرد يثقب بها الكرضون .
ماصو

Mazo
مطرقة خشبية تلبد بها الشاشية .
ميذو

Médio
القطعة الثالثة وهي الوسطى في الكرضون .
هاص

Haz
الجانب الخارجى للشاشية .

     أما الاستعمالات التركية وحتى الفارسية التي نجدها مشتركة بين البلاد العربية   التي خضعت قديمًا لدولة الخلافة العثمانية ، فإنا نقف منها بتونس على مجموعة من الألفاظ قد يكون رسمها والنطق بالكثير من بينها مختلفين بعض الشيء عنهما في مصر والشام ونحوهما. ومن أمثلة ذلك: رَوْشَن Rusen المكان البارز الفخم .
زِنْبَراك:دافع يصنع من المعدن. صارْمِيّة: رأس مال .
طارمة Tarem قبة، سقف، تستعمل في تونس للدلالة على نوع من الخزائن أو الدرج المثبتة بالجدار.
كنار:حاشية النسيج.
ومن التركية الألفاظ التالية :
أغا Aga : الأسرة. لقب عائلي بتونس.
ألاي Alay : قوة عسكرية، والقائم عليها: ميرالاي  Miralay من مير الفارسية عن العربية أمير .
سْطَا:أوُسْتَة Usta الماهر من الصناع وأهل الحرف .تستعمل الكلمة بكثرة بمدينة صفاقس .
أونباشي Unbāši كلمة مركبة من باش بمعنى رأس، وأون بمعنى عشرة. رأس العشرة.
بازين - بازينة: نوع من الطعام يصنع من الدقيق والزبدة والسكر .
باش Baš : رأس ـ رئيس ـ آمر .
باشا:لقب تركي ملكي، عسكري، وربما كانت الكلمة محرفة عن بشه Baše الأخ الكبير .
بالك، بلكية : أُخذت من الفارسية، وتتكون من بل العربية وكيه التركية التي تعتبر  أداة احتمال ومعناها في الاستعمال العادي: لعله .
براسيا:براسية: كراث .
بُرْقَدان:في التركية باللام تكتب بالحروف القديمة بورتقال: فاكهة من الحوامض كانت تستورد من البرتقال فسميت به .
بريك ، بوراك ، نوع من العجين محشو باللحم والبيض أو بغيرها يقدم في أول الطعام .
بشرف:Pesrev محرفة عن الفارسية وهي اصطلاح موسيقي يطلق عليها ما يعرف   بعد " التقسيم " وقبل الفصل الأصلي " والسماعي " الأخير .
بِشْقى:يجقى - حديدة يستعملها الحذاء لقطع الجلد. وحديدة يُقصُّ بها نوع من الحشيش: " تبغ كان يزرع بتونس يعرف بالتكروري والكِيف " .
بُشمار:محرفة عن برشمان وبرشم وهي كلمة من أصل تركي فارسي يراد بها الطرز الحريري الذي يكون بالجبة أو البرنس .
بكباشي:بكباشي وبنباشي Binbasi كلمة مركبة من بيك أو بين بمعنى ألف وباشي وباش، رأس الألف أو قائد الألف .
بلهوان:بهلوان - شجاع مصارع قوي البنية .
بهار:نوع من التوابل .
بوسطاجي:بوسطة + جي: موزع البريد .
بوغاز Bogāz الموضع الضيق من كل شيء، ويطلق على الممر الضيق بحرًا: المضيق .
بَيْ:باي - بك: Bey لقب تركي يطلق على الوالي - الحاكم للبلاد: وللمرأة يقال   بية، وفي الأصل بايا، وهما بدل أفندي وخانم .
تارزي:ترزي - من الفارسية درزة خياطة . الخياط لقب عائلي بتونس .
ترسانة : Tersane محرفة عن العربية دار الصناعة .
جمباز:جتباز - جانباز Ganbaz اللاعب بحياته المجازف بروحه : نوع من الرياضة البدنية.
خازوق:Kazik الوتد، كلمة تستعمل في الدعاء على الإنسان بالشر .
خردة:Hurda من كل شيء أصغره، ما صغر من السلع، مقصورة في التونسية على الأشياء المستعملة القديمة .
خَزِنْدار:خازندار Hazinedar أمين الصندوق. لقب عائلي بتونس .
خْشَاف:خوشاف - شراب الزبيب الجاف - وبتونس شراب السفرجل .
خوجة:Hoca خواجا - المعلم - المدرس الأستاذ من رجال الدين. القارئ للقرآن - لقب عائلي .
دُغري:الذهاب رأسًا - صدق.
رِنقة:Ringa زنكة نوع من السمك Hereng
سراية:سراي: القصر الملكي الفخم .
شيشة:Šiše الزجاجة. القارورة. والقارورة الخاصة بتدخين التنباك .
صادة:سادة - بسيط - غير مركب غير مزوق ـ بلا سكر عند الحديث عن القهوة.
طاقم:مجموع آلات وأدوات .
طاوة:طاية ـ مقلاة .
طرشي:Turšu الحموضة، يطلق على المخللات .
عنبر:من العربية نبر - أنبار، مكان تحفظ فيه المواد الغذائية ، بيت التاجر Ambar  .
فنجال:في التركية منقولة من الفارسية بنكان الكأس المخصص للقهوة أو الشاي .
قازان: Kazzan قدر كبيرة واسعة من النحاس يطبخ فيها المقادير الكثيرة من الطعام.
قازيق:Kazik نفس كلمة قازوق ولكنها تستعمل بهذه الصورة للمعنى المجــازي الدسيسة القديمة.الحيلة. الخدعة .
فـمرف: المكس - الإدارة التي تتولى قبض المكس .
قفطان:قميص فوقي.
قهوارطي:قهوالطي ما يتناول الصباح مع القهوة .
قيش:قايش: جلد يسن به الحلاق موساه .
كاغد : Kagit  عن الفارسية Kagez ورق .
كراكوز : قرة كوز ـ وأصلها فارسي Karogoz العين السوداء - الشخص الأول في لعبة الخيالاتية .
     أما اللغة الإيطالية فإن أكثر ما دخل منها في الاستعمال في اللسان التونسي ألفاظ الحرف والصناعات التي كان يشارك الإيطاليون وأهل صقلية فيها، أو الكلمات اليومية " المتصلة بالتقاليد وأنواع الطعام ولبيان ذلك نعرض المجموعة التالية :
بالانسي                                            

Balance
باخرة صيد.
بالانكو              

Balanco
حاملة الأثقال - رافعة .
بالطو

Palto
معطف .
بُرُودو

Brodo
حساء.
بيشي ليموني

Pescelimoné
نوع من السمك أصفر اللون .
جرمان

Germano
شرمان - كلمة من أصل جرماني تعني بط.
جرناطة            

Giornata
اليوم - ما يدفع من أُجرة اليوم عن العمل.
روبافيكا

Robavecohia
الأثواب أو الأمتعة القديمة .
ريكامو

Ricamo
طرز بالإبر وشبيك مخرَّم .
ستيفالي

Stivali
جزمة .
سقالا

Scala
سلم - تنظر إلى الأصل التركي " أسكلة"، تستعمل للدلالة على خشبة توضـع جسرًا للنـزول من الباخرة إلى البر .
سيكمبري

Sgmbri
نوع من السمك الأزرق يسمـى بالفرنسية ماكرو .
صالصة

Salsa
مرق يعد من عصير الطماطم .
طاولة

Tavola
مائدة مرتفعة - منضدة .
فاما

Fama
شهرة - ذيوع صيت .
فانتازيا

Fantasia
زهو سببه التميز بأنواع من الثراء   الفكري أو المادي
فطشاطا

Facciata
واجهة .
كارطا

Carta
ورق .
كومودينو

Comodino
منضدة صغيرة توضع جانب السرير   بغرفة النوم.
لمُبارا

Lampara
آلة إضاءة تستعمل في الصيد البحري .
لمَبا

Lampada
مصباح ـ سراج .
مَقْرونة

 Macheroni
أكلة إيطالية معروفة .
    
      أما اللغة الفرنسية فقد كان استعمالها أكثر، وليس تأثيرها محصورًا في ميدان  واحد من الميادين، كغيرها من اللغات الأصلية أو الدخيلة. ولسوف نحاول الحديث  عن ذلك مفصلاً. ولكننا مع هذا نشير إلى أن الذين لم يدرسوا الفرنسية ولم يقرأوها تجري على ألسنتهم كلمات كثيرة انتقلت إليهم بحكم الممارسة اليومية أو العمل في بعض المصانع أو القطاعات، ويمكن أن نمثل لذلك بالألفاظ الواردة في القائمة التالية، وهي مفردات اخترناها من الكلمات المستعملة في قطاع السيارة عند عامة الناس ، مثقفهم وعاميّهم العارف بالفرنسية منهم والجاهل بها:                           
آربر

Arbre
جذع .
آكس

Axe
محور .
آكسيلارتار

Accelerateur
دواسة البنـزين مسرع - معجل .
أمبرياج

Embrayage
دافع المحرك .
أمورتيسار

Amortisseur
رداع .
أنتان

Antenne
صارية .
باتري

Batterie
البطارية ـ المشحن الكهربائي .
بانس

Pince
مقبض .
بريكيه

Briquet
مقدح .
بلوك

Bloc
الجهاز بأكمله .
بواتا فيتاس

Boiteâ  Vitesse
صندوق السرعة .
بوبين

Bobine
ملف كهربائي .
بونباوو

Pompe A eau
مضخة الماء .
بيستون

Piston
مكبس .
تانبور

Tambour
طبل .
تركتور

Tracteur
جرار .
تروفيزار

Rétroviseur
مرآة يرى فيها الناظر خلفه .
تولا

Tôle
صفيحة حديد .
ديلكو

Delco
آلة تجميع الكهرباء .
ديمارار

Demarreur
مطلق .
دينامو

Dynamo
الدينم .
رديتار

Radiateur
المبرد المشعاع .
ريزرفوار

Réservoird, essence
خزان البنـزين .
سترتار

Starter
مطلق ذاتي أو تلقائي .
سندريا

Cendrier
وعاء الرماد .
سيسبانسيون

Suspension
تعليق .
سيقما

Segment
قطعة الدائرة .
شاسي

Chassis
هيكل السيارة .
شاميز

Chemise
قميص.
شمبرار

Chambre à Air
الإطار الداخلي لعجلة السيارة ـ الأنبوبة.
فار

Phare
الوهاج.
فانتيلاتار

Ventilateur
مروحة.
فران

Frein
كابح.
فولن

Volant
مقود.
فيدانج

Vidange
تخلية - تفريغ .
فيس بلاتيني

Vis  Platiné
لولب مصفح .
فيلتر

Filtre
مصفاة .
فيياز

Veilleuse
آلة الإنارة الخافتة .
قرقبو

Garde- Boue
الواقي من الوحل .
كبوط

Capote
غطاء .
كربيراتار

Carburateur
المبخر .
كوروا

Courroie
سير. ج : سيور .
كريك

Cric
مرفع .
كلينياتار

Clignateur
الإشارة الضوئية .
كنتار

Compteur
عدَّاد .
كوبراسار

Compresseur
ضاغط .
كوتشو

Caoutchouc
مطاط .
كولاس

Culasse
مغلاق ـ قلنسوة المحرك .
مال آريار

Malle- Arriere
صندوق المؤخرة لنقل الأمتعة .

     ولا تكمن صعوبة دراسة العامية التونسية في هذا الخليط من الكلم والاستعمالات المختلفة الأصل والجنس، بقدر ما تظهر كبيرة في تحديد طريقة النطق عند أهل تونس وأهل المغرب عامة. وأول من جابهته بعنف هذه الصعوبة المستشرقون؛ فقد كان الفرنسيون الذين يرغبون في الاستقرار بشمالي إفريقيا أو زيارته أيام الاحتلال   الأجنبي، ويودون الاحتكاك بأهله والتعامل معهم بعد حفظهم لمجموعة من الكلمات تزيد   أحيانًا على خمسمائة لفظة يتعذر عليهم في أحيان كثيرة الفهم والإفهام ،بسبب وعورة النطق أو تشابهه أو تشاكله لما يكون بين الألفاظ من اشتراك مرة وتجانس أخرى. ولما ينبهم من المعاني بسبب الخطأ في الترقيق والتفخيم لبعض الحروف. وقد مثـل بعضهم لهذه الصعوبة بالكلمات التالية :
أمان
ـ من الأمن، وأمان بتفخيم الميم = كيف يمكن ؟
أمين
ـ خبير، وآمين ما يقال عند الدعاء .
بابا
ـ مفخمًا أبي، مرققًا بابُه .
باش
ـ سوف، باش: كساء سميك تغطى به مختلف الأمتعة .
بِرد 
ـ أحس بالبرودة، وبَرَد من برد أي استعمل المبرد .
بِلاَّ 
ـ أمر بوضع الشيء في الماء ، وبالله : قسم .
تاب
ـ من التوبة ، وطاب ـ نضج .
حرام
ـ بترقيق الراء قطعة من النسيج توضع على الرأس وتسدل من الطرفين.
وحرام     ـ ممنوع شرعًا .
دوا  
ـ دواء،  ضوا ـ ضاء .
راجل
ـ رجل واحد ، راجل ـ يعنى بها جنس الرجل .
ربِّي 
ـ إلهي، ورِبِّي : حبر اليهود .
زِرْب
ـ أسرع وجَرب ـ مرض بالجرب .
الجـرب:  المرض.
سُوم
ـ سعر، وصُوم أمر بالصوم .
فِرز 
ـ انتت، وفَرج  = العافية .
فِرش
ـ بسط الثوب ، وفَرْش سرير.
كَرا
ـ أَجَّر، كره ـ لم يرض .
كَلاَ
ـ أكل، وقلا ـ قلى .
لبابا
ـ هو وسط الخبز غير الناضج .
لبابا
ـ لأبي. الأولى بترقيق الباء والثانية بتفخيمها .
للأَّ 
ـ ما يقال عند نداء السيدة ، ولله ما ينسب لله .
مَرَّة
ـ للواحدة ، ومُرَّة ضد العذب .
نْسَا
ـ جمع امرأة، ونْسا: جنس، نسا: نَسِي .
ولَّى
ـ بمعنى أمر ، ووالله ـ قسم .

ومن ثم أقبل المستشرقون ومن تبعهم من أبناء تونس وسائر بلاد المغرب من أصحاب الدراسات الألسنية على تحديد الكلم وضبط طرق النطق بها بحسب الأقاليم والجهات والمدن والقرى. وهم بعد إقرارهم بما بين اللغة العامية بالمشرق واللغة العامية بالمغرب من الاختلاف والتباين الذي يبرز بصورة واضحة في قلة الحركات أو اختصارها، كما في خرج وسمعت وكتب وتفضَّل. فهي عند أهل المشرق مسكنة الأواخر في الاستعمال، محركة بحركاتها الطبيعية في بقية الأحرف كما في الأصل الفصيح. وهي لدى المغاربة مسكَّنة الأوائل بتوهم حركة سابقة في الأكثر كسرة، وتشريك الحرف الأول بعد السكون الطارئ عليه في الحركة مع الحرف الموالي له فنقول: اخْخَرج واسْسَمَعت واكْكِتِب واتْتَفَضل . وكذلك بعد إيرادهم الكلمات المشتركة بين أهل المغرب، والمستعملة خاصة بشرقيه ، والمتداولة فحسب بالبلاد التونسية تعمقوا دراسة اللغة واللهجات داخل القطر التونسي مفرقين بين ما يستعمل من ذلك بالعاصمة أو بالمدن والقرى المتصلة بها، وبين ما هو من خصائص الاستعمال والتعبير عند البدو الرحل .
وبقصد إنارة الباحث وتمكينه من تصور ذلك ، أحببنا أن نعرض عليه نماذج وأمثلة لكل هذه الاستعمالات .
      فمن الكلم المشتركة في الاستعمال بين عامة سكان المغرب كلمات متنوعة  مختلفة الأصول مثل:
انزاص 
ـ اجاص .
اكحل 
ـ أسود .
ازعـر
ـ أشقر .
بـرح
ـ رفع صوته .
بـرّاد
ـ إناء يطبخ فيه الشاي .
بلارج
ـ نوع من الطير .
بيتر
ـ نوع من التين .
بَكُوش
ـ أبكم .
بَزُوله
ـ ثدي .
ترَّاس
ـ أعزب ـ راجل .
تبرورى
ـ برد .
تِرْفاس
ـ نبت مثل البطاطس .
تغشَّش
ـ غضب .
جُرّة
ـ أثر الأقدام .
جْرَان
ـ ضفدع .
جُغْمة
ـ جرعة .
حَلْ
ـ فتح .
حَرْقُوس
ـ مادة نبتية تحرق حتى تصبح سائلاً أسود تزين بها المرأَة بوضع نقط منها في وجهها أو خدها أو على حاجبها .
خمّم
ـ فكر.
خص
ـ نقصر.
خْدِم
ـ اشتغل.
رومي
ـ نصراني.
زْرِب
ـ أسرع.
زْوَا
ـ العصفور ، زقا.
زَايْلة
ـ دابّة .
زَرْدَة
ـ مأدبة.
دَشْرة
ـ قرية .
سَلَّك
ـ خلَّص .
سيَّق
ـ أراق الماء بكثرة قصد التنظيف .
ساسا
ـ سأل .
سَرْدوك
ـ ديك.
سَلُّوم
ـ سلّم.
سْخُون
ـ حار.
شْكَارة
ـ كيس.
شَاقُور
ـ فأس صغيرة .
شارب
ـ شفة.
شَلْغُوم
ـ شارب.
صب المطر
ـ نزل .
صَوَّر
ـ حصل.
صُمعة
ـ صومعة .
صباط
ـ حذا.
طاب
ـ نضج .
طيَّب
ـ أنضج  ـ طبخ.
علُّوش
ـ خروف.
عَرْش
ـ فخذ القبيلة.
عَتْروس
ـ ذكر الماعز .
فْلُوس
ـ مال .
فَرطاس
ـ أقرع .
فكرون
ـ سلحفاة.
قد
ـ يكفي.
قَرجُومة
ـ أول العنق.
قْدِم
ـ قضم.
ثُطاية
ـ ظفيرة الشعر.
كحَّ
ـ سعل.
كاف
ـ ربوة.
كْرَم
ـ تين.
كْرَموس
ـ تينة.
مَلْف
ـ نوع من النسيج له ظهر وبطن أملس .
مِشماش
ـ مشمش.
هْدَر
ـ تكلَّم ، صوت الجمل.
هَجَّالة
ـ أرملة.
وَلَّى
ـ صار.
وِجْه
ـ طلقة نارية.
ومن الكلمات المتداولة بشرقي المغرب والمشتركة في الاستعمال بين سكان البلاد التونسية وطرابلس وقسنطينة .
بَرّا
ـ اذهب.
بصَّر
ـ داعب.
بُرْقْدَان
ـ برتقال.
ثِنِيَّة
ـ طريق.
جُرْمان
ـ بط.
حَبْرمْا
ـ دُوبَّما  ـ حَدْما  = حدما ـ حالما، عندما .
خْنِب
ـ سرق.
راح
ـ ذهب.
سانية
ـ بستان
سْفِنارية
ـ جزر.
قطوس
ـ قط.
لِينْ
ـ حتى.
نْغَر
ـ غضب.
ومن الاستعمالات الخاصة بالبلاد التونسية :
بَرشْة
ـ كثير.
بِرْشِيّ
ـ ولد الماعز .
بَرْكُوس
ـ الواحد من الضأن دون الكبش وفوق الخروف.                 
بَعْبُوص
ـ ذيل.
بُوش
ـ فارغ.      
قم
ـ تُبدل في بعض الجهات الثاء فاء فيقال:  فـم = موجود .
ماثماش
ـ غير موجود.
جحْفأَ
ـ المحمل الذي تركبه المرأة وتستعمل في بعض المجتمعات بحمل العروس خاصة.
حَجَّم
ـ حلق ـ زيَّن ـ حَسَّن.
دُولاش
ـ تجوال.
رْتَاحَ
ـ استراح.
زاده
ـ مع ذلك.
سُطُوش
ـ محفظة.
سُوريَّة
ـ قميص.
شيَّع
ـ رافق.
صُوّة
ـ البريَّة.
صِيد
= أسد.
ضَبُّوط
= إبط.
طَرْبُوشَة
= جيب كبيرة بأعلى البرنس.
غَشّير
= طفل.
فَرْخ
= صغير، للحيوان وغيره.
قْدِم
= قضم.
كَدْرون
= كساء من صوف يلبس خاصة بالساحل التونسي.
كَرْهَبة ـ كراهب = سيارة ـ سيارات.
كَرومُة
= قفا العنق.
كَشْطَة
= عمامة.
مُرْشانة
= حبل مظفَّر وتطلق مجازًا على المال القليل.
مُنْفالة
= ساعة.
نُوض
= قم.
هَنْشِير
= مزرعة.
وزْرَة
= نسيج من صوف يرتديه الأعراب.
وْفَا
= انتهى.

أما التفريق بين لغة سكان العاصمة ولغة القرى ولسان أهل البادية فإنه يحتاج  إلى نظرة خاصة مزدوجة ترجع من ناحية إلى الكلم ومن أخرى إلى طريقة النطق بها .
     فمن الكلمات المستعملة بعاصمة تونس:
آش  = ماذا. أي شيء. باش: بأي شيء ، سسوف علاش: لأي شيء. كيفاش: كيف. لم لاش:  لأي شيء. لواش:  لماذا. مداش: من أجل ماذا؟
أولا دفن
= قبيلة.
إيجا
= أقبل.
بْجَدِك ولاَّ تْفَدْلِكْ
= أجاد أنت أم تهزل ؟

بَرشْة
= كثير.
بالِك
= ربما.
بَرْكة
= كفاية.
ببِسْييف
= قسرًا.
بِكْرى
= أول الوقت وقبل .
بِلْلِّى
= مهما.
تَوَّا
= الآن.
حَبْ
= أراد.
حُوْت
= سمك.
خْزَر
= نظر بحدَّة  ـ  حدّق.
دْخَل
= دخل.
راوْ مِزّوال
= لو.
زربية
= بساط.
زعما
= هل.
ساق
= قدم.
شْتَا
= مطر.
شاشِيَّة
= قلنسوة  ـ غطاء الرأس.
طْلَع
= صعد.
عْمَل
= عمل.
قَدْقَدْ
= تمامًا.
كِيف
= مثل، عند.
لْبارح
= أمس.
هْبَط
= نزل.
هُونِي
= هنا.
يِزِّي
= يجزي  ـ يكفي.
باسر
= كثير، وتستعمل عند بدو الجزائر.

وقد يحصل في النطق بكثير من الكلم فرق مبناه اختلاف المتكلم بها رجلاً كان أم امرأة. ففي كلمة بَيْن بَيْن، وزَوْج واثنين، وزينب، وعين، تبدل الحركة السابقة لحرف العلة الساكن فيها حركة تجانس الواو أو الياء التي تصير مدًّا لتلك الحركة ، فيقول الرجل: بِين بِين، زُوج، اثنِين، زِينب، وعِين. وتنطق المرأة التونسية وكذلك أهل مدينة صفاقس بهذه الكلمات على الوجه الفصيح الصحيح .
ولسنا في هذه المناسبة العارضة والزمن القصير بقادرين على أن نضع قانونًا يضبط أحوال النطق والتصريف للكلم في العامية التونسية، ولكننا نكتفي فقط في هذا العرض بالإشارة إلى مجموعة ملاحظات تعين على تصور الأوجه المستعملة والطرائق المعتمدة في النطق بمختلف جهات البلاد التونسية .
فسكان المدن والحواضر والقرى يبدلون الجيم زايًا في مثل: جوز - زوز: ثمرة، وزوز أيضًا بمعنى بعل واثنان، وفي جاز يقال:زاز بمعنى دخل، وفي جنس يقال: زنس .
ويحذفون الألف من أداة التعريف أو الجنس، وربما حذفوا الألف واللام  كليهما، يقولون: عَلْفرس: على الفرس. عَسْسَطح: على السطح. مِلْباب: من الباب. مِدْدار: من الدار .
ولهم بالنسبة للضمائر المتصلة كتاء الخطاب الساكنة آخر الفعل الماضي حالة واحدة للمذكر والمؤنث، تقول: نزلتْ: أنتَ وأنتِ، وتستعمل التاء والواو لجماعة المخاطبين ذكورًا وإناثًا بصورة واحدة، تقول:نزِلْتو: أنتم وأنتنّ .
وكذا الحال بالنسبة لواو الجمع مفردة في مثل: نزلوا، حالة واحدة: هم وهن. وتتحد الصيغة أيضًا في الأمر للمفرد مذكرًا ومؤنثًا، يقال: انزل، له ولها. أما مع الضمائر المنفصلة فإن لضمير المخاطب المفرد حالة واحدة للمذكر والمؤنث: إنت. وهناك حالتان مع ضمير المخاطب المنفصل إذا كان جمعًا، ذكرًا أو أنثى، يقال: أنتم وأنتوما .
أما ضمير الغائب فهو يختلف بين المذكر والمؤنث، فيقال للأول: هو. وللثاني: هي. وفي حالة الإضافة تقلب الهاء واوًا في المذكر، فتقول: متاعو، بدل متاعه، وتبقى على حالها بالنسبة للمؤنث فتقول: متاعها، كما في الفصيح. ولضمير الجمع صيغتان يستوي فيهما أيضًا المذكر والمؤنث وهما: هم وهوما.
أَما كاف الخطاب فإنها تكون بصيغة واحدة للمذكر والمؤنث ؛ حالة الإفراد متاعك، وحالة الجمع متاعكم .
وفي اسم الإشارة تقترن هاء التنبيه بلام ال ، أَو بأَلف ذلك ، بدون ذكر الذال فيقولون: هالكتاب، في هذا الكتاب، وهاكلْولِد. ويختلف هذا الاستعمال بالطبع عما هو شائع بسائر بلاد المغرب من مثل قولهم : هذا الولد ـ هاذاك الولد ـ هاذيك البنت ـ هاذوك الأَولاد ـ ذاك الولد ـ ذوك الأَولاد ـ وذيك البنت .
أَما شأْنهم مع الفعل فإِن لهم تصرفات خاصة به في الماضي والمضارع والأَمر .
فهم يهملون صيغة انفعل للمطاوعة ويعوضونها بصيغة فعل مقترنة بتاء لاحقة أَوَّله ، تقول في فِعْليْ: حرق ـ حاز، بدل: انحرق وانحاز: تحرق و تحرقت، وتحاز وتحازت .
ويحولون صيغة فعلّ في مثل ابيضّ واحمَرّ وفي مثلها في يبس إِلى افعالّ ابياضّ واحمارّ وايباسّ .
ولصيغ المضيّ في النواقص حالة واحدة فإِذا اقترن الفعل بضمير الغائب المؤنث للواحد وهو التاء، أَو بعلامة الجمع وهي الواو، فإِنك تقول في:
نسى
نسات
نساو
مشى
مشات
مشاو
ربّى
ربّات
ربّاو
قاسى
قاسات
قاساو
تعرى
تعرّات
تعرّاو
تلاقى
تلاقات
تلاقاو
استحلى
سْتحلات
سْتحلاو
وتضعف التاء علامة التأْنيث الساكنة آخر الفعل الماضي عند اتصالها بكاف الخطاب أَو بهاء الغائب المنقلبة واوًا فتقول في:ضربت ضربْتِتك = ضربتك. وسلمت سلمِتْتو = سلمته .
وفي الفعل المضارع يبدلون حرف المضارعة للمتكلم الواحد وهو الهمزة بحرف المضارع على الجمع، ويضيفون حالة الجمع واوًا آخر الفعل، ويقولون في اخرج: تخرج، وفي نخرج: نخرجو .
وفي مضارع يستفعل الأَجوف يقولون في مثل يستفيد: يستفاد، وفي مضارع يستفعل الناقص يقولون في مثل يستحلي يِستحلا.
ويحتفظ المضارع الناقص وكذا الأَمر بالأَلف أَو الياء في آخره عند اقترانه بواو الجمع يظهر ذلك في مثل:
مشى
نِمْشِيو
إِمْشِيو
ربَّى
يربيو
ربيو
قاسى
نقاسيو          
قاسيو
نسى
تتساو
نْساو
تعدّى
تتعداو
تعداو
تلاقى
نتلاقاو
تلاقاو
ستحلى
يستحلاو
ستحلاو
أَما فعل الأَمر فإن العامية التونسية لا تجري فيه على قواعد التصريف العربية تقول في :
ضرب         يضرب      إضْرِب
ضْرب         يضْربَ      أَضْرَب
رمَى           يرمى          إرِم
شرب          يشرب       إِشرَب
شرب          يُشرُب       أُشْرُب
فإِذا نظرنا إلى الأَسماءِ في الاستعمالات اليومية باللسان التونسي في العواصم والمدن والقرى وجدنا ما كان منها على زنة فَعْل أَو فُعْل أَو فِعْل يتغير النطق به إِلى  فْعَل وفُعُل ما لم يكن ناقصًا تقول في قَبْر: قْبَر وفي طِفل: طْفُل وفي قُفل: قْفِل، فإِذا كان ناقصاً بقي على صورته العربية الفصيحة كما في مشى وزهو وجدي.
والمصادر في الدَّارجة التونسية تأْتي على وزن فَعْلان كدَخْلان من دخل   دخولاً، وحَلان من حلّ بمعنى فتح، ووفْيان من وفى بمعنى انتهى، وطَوْيان من طوى .
أَما الجموع فإِن منها ما يكون على أَفعلة كما في أَقْلِمْة جمع قلم، وأَمْغِصْة جمع مغص .
أَما جموع الأَسماء أَو الصفات الدّالة على علة أو لون فإنها تكون على زنة فْعُل  أَو فْعِل مثل: بْيُض حْمُر كَحُل عْوُر عْمِى طْرُش. وتأتي جموع الاسم الثلاثي المؤنث  على زنة فعالى، كما في قصعة: قْصاعى ـ إِبرة: أَبارى ـ قفلة: قْفَالى ـ كسوة: كْساوى ـ زربية: زْرَابى .
ومن الأَوصاف ما يكون على زنة فْعُول مثل: سْخُون لساخن، وهْشُوش لهِش .
ويجمع حلو الذي مؤنثه حلوة على حْلُوِّين بتشديد الواو .
ونلاحظ بالنسبة لأَسماءِ الفاعلين والمفعولين مما زاد على الثلاثي حالات خاصة بهذا اللسان. فهناك صيغة واحدة لاسم الفاعل والمفعول، وهي مْفَعِّل تقول مْكمِّل ومْسِمِّي.
وفي صيغ أَسماء الفاعلين والمفعولين والمصادر التي من زنـة فعلّ أَو تفعّل الناقصين تنسجم في النطق بالكلمة حركة المقطع الأَول مع حركة المقطع الثاني، تقول في معرّي: مْعِرِّي، وفي مُتعَدِّي: مِتْعِدِّي، وفي تَسْمِية: تِسْمِية. فإِذا اتصلت حركة الفتحة بحرف لهويّ أَو مفخم فإِنها تقلب ضمة كما في مْرُبّى وفى تَنْقِية تُنْقيَّة .
ونفس القاعدة تنطبق على أَسماءِ المفعولين النواقص ، تَقول في مبلى : مِبْلى ، وفي مِقلى : مُقْلى و في مِصلى ، مُصْلى .
وإِذا اقترن اسم الفاعل المؤنث المفرد بكاف الخطاب أَو هاءِ الغائب المنقلبة   واواً ضعَّف تاءَ التأْنيث من آخره تقول: قاتِلَتُه = قاتْلِتُّو ـ مُحاذِيتُك = محاذِيتَّتك ومحاذيته = محاذِيتْتُو ـ مقابلتك = مقابِلتْتِك ـ مقابلته = مقابِلتْتُو .ومن الأَسماء        والأَوصاف ما يقترن في اللسان التونسي بلواحق من أَصل تركي تكون في أَول   الكلمة مثل باش، أَو في آخرها مثل جي، أَو في الأَول والآخر كما في الأَمثلة الموالية :
مُصْرُفْجِي
= مبذر .
كَافُورجي
= شديد الكفر .
قَرباجي
= الساقي الذي يَحمل القربة، ويقال في المغرب: قراب .
بَلاغْجي
= صانع البلغة " النعل"، ويقال في المغرب: بلايغي .
باش مفتي
= رئيس المفتيين أَو كَبير أَهل الشورى.
باش كاتب
= رئيس الكتاب.
باش قَمّار
= كثير لعب القمار .
باش زُوفري
= كبير المستهترين أَخلاقيًّا.
باش طبُجي
= رئيس الطبجية المستعملين للمدفع .
وقد تحصل مفارقات في الاستعمال في المكان الواحد كعاصمة تونس بين المتكلمين للسان الواحد من أَصحاب العقائد المختلفة كالمسلمين واليهود ، ومن أَجل الإفصاح عن ذلك نعرض الأَمثلة والاستعمالات الآتية:
( م )
(ى)
(ف)
جربوع
جرح
زلق
سرق
زربوع
زرح
جلق
شرق
جرد
جرح
زلق
سرق  
شرب
شرط
شطح
شنق
صْلُح
طُرَز
عْطَش
ياسر ـ برشة
سرب
سرط
سطح
سنق
صْلح
طْرُز
عْطُش
ياسر
شرب
شرط
رقص
شنق
صلح
طرز
عطش
كثير



(م)
(ى)
(ف)
ضمير المخاطب الفرد المنفصل
ضمير الغائب  للجمع المنفصل
ضمير المخاطب للجمع المنفصل
ضمير المتكلم للجمع المنفصل
ضمير الغائب المتصل
الإشارة للقريب
الإشارة للبعيد                        
 للاستفهام عن الشخص  للاستفهام عن الشيء
أَنت ـ أَنتيا  ـ أَنتينا

هوما

أنتوما                   

أحنا                     

جابوه
هذا ـ هذايا                                                        
هذاكما هاذوـ هذوما    
آشكونو ـ آشكونى
آما ـ آنا       
  أنت

أوهان            

أنتومان

إحنا

جابوو
آذا
آدو ـ آدومان 
آشكون
آما                                   
أنت ـ أنت

هم

أنتم ـ أنتن

نحن

جاءوا به
هذا
أولاء أولائك
مَنْ
أى
العدد                       
مْية  
مِيَّا
مائة
                           
مِيتين
مَيْتين
مائتان
الظرف
ثم  ـ  فم
تَم
ثمة
السؤال عن المكان
وِين
واين
أين
   
وينى  ـ وينهي    
واين واينيها
أين هي
كلمة   
في عوض
في عاوض
عِوض
  
عاد
بقى
بقى

ماعاتش
مابقاش
لم يبق
علامة التثنية
كتابِين ـ مروحتِين
كتابَيْن ـ
كتابان ـ بَيْن


مروحتَيْن
مروحتان
علامة الجمع
المسلمين
مسلماين
مسلمون ـ مسلمين
كلمة مختومة بيين
يلين
يليان
يلين
جمع الكلمة المختومة بيان
عطاشة ـ عاطشين
عاطشين إلا في
عطاش ـ


عار وجاف فله
عطاشى


الصورتان للجمع.

جمع صبية
صبايا
صبيات
صبايا
جمع أخ        
إخوة ونحوها
خوات
إخوة وغيرها
جمع موتى
موتى
مايتين
أموات ـ موتى
جمع على أفعلة
أقلمة
غير موجود
أقلام
كلمة
عاى ـ عيان
عيَّان
متعب
كلمة
وتْالبارح   
أول بارح       
أول أمس
الفعل الناقص اليائى في المضارع للمتكلمين 
نمشيو
نمشيبو
نمشى
فعل أمر
آمَر
امار
أمر ـ مر
فعل
زوز
زوز ـ زواز
ادخل
فعل
صيّر
صيّر ـ صيّار
صيّر
تعجب
منظفو
مانظفو
ما أنظفه
كلمة
هانى
غير موجودة
ها أنا

مانى
غير موجودة
ما أنا
فإذا فارق المتتبع لتطورات وأحوال هذا اللسان " الدارجة التونسية " بالعاصمة وضواحيها، وذهب متوغلاً في القرى البعيدة عنها والمدن المنتشرة بأنحاء الجمهورية، لاحظ أن هناك اختلافًا بينًا من جهة إلى جهة، ومن منطقة إلى أخرى، ففي كثير من القرى تبدل الفتحة كَسْرة في النطق بأواخر الكلم أسماء كانت الكلم أو أفعالاً وذلك كما في :
     (ت) تونس                   
          (ق) قرية
       (ف) فصيح
ما
مى
ماء
مشى
مشى
مشى
نسى
نسى
نسى
وأكثر ما يسمع ذلك بجهة الوطن القبلي .
       وتقلب الياء ألفًا لينة في أواخر الكلم وذلك في مثل :
       (ت) تونس
        (ق) قرية
       (ف) فصيح
اللي
اللا
الذي
تقليها
تقلاها
تلقينها
وهذا ببلاد الساحل كثير .
أما في البوادي فأنت في أحيان كثيرة أمام ألفاظ جديدة وصور تعبيرية مخالفة   لما عهدته أو سمعته بالحواضر والمدن والقرى ويظهر ذلك في مثل هذه الكلمات:
       بادية     
       تونس
      فصيح
آمس
البارح
أمس
بغى
حبّ
أراد
تعال ـ أراح
ايجا
تعال أقبل
خش
دخل
دخل
دار ـ دنا
عمل
عمل
رقا
طلع
صعد
شبح
شاف
بصر
ظهر
خرج
خرج
كبوس
شاشية
قلنسوة ما يلبسه


الرجال فوق الرأس.
كراع
ساق
قدم ـ رجل
لَمَّد
جمع
جمع
نَوْ
شتا
مطر
هنى
هنا
هنا
هود ـ حدر
هبط
نزل
ولَّع
شعَّل
أشعل ـ أوقد

وأشهر ما يتميز به اللسان في البوادي التونسية ويختلف به عن أهل المدن والقرى النطق بالقاف المعقَّدة كما في :
فول ـ قول ـ قل .
فلب ـ قلب ـ قلب .
حفرنى ـ حقرنى ـ احتقرنى .
     ويفرق البدو تفريقًا واضحًا بين المذكر والمؤنث فهم وإن كسروا الهمزة من إنت الضمير المنفصل للمخاطب يفتحون التاء للمذكر ويكسرونها للمؤنث. ويبرزون هذا الفرق واضحًا في الأفعال فيقولون شِبت المستعملة للمذكر والمؤنث بتاء ساكنة في الآخر عند أهل المدن والقرى شِبتْ بتسكين التاء للمذكر وشبتِ ـ بكسرها للمؤنث وفي مثل الأمر من زاد يقولون للمذكر زيد وللمؤنث زيدى، وفي الأمر من تحيَّر تحيرْ للمذكر وتحيري للمؤنث .
     ونلاحظ اختلافًا في استعمال الأفعال يبدو في مثل :
مدينة
بدو
فصيح
تتجاراو
تتجارُو
تتجارون
تنقات
تنقِت
تنقت
تنساو
تِنسُو
تنسون
تهناو
تهننو
تهنوا
خلاو
خلْو
خلَّوا
ستحلات
ستحِلت
استحلت
مشات
مِشْت
مشت
مشاو
مشُو
مشوا
نسقيو
نِسقُو
نسقى
يجيو
يَجُو
يجيؤون ـ يَأْتون

ولهم في الأفعال الماضية وفي أسماء الأفعال المقترنة بهاء الغائب المنقلبة واوًا صورتان في النطق، وكذا المقترنة بكاف الخطاب:



جاءت بك
جابتتك
جاباتك
جاءت به
جاباتو
جاباتا
سلمته
سلماتو
سلماتا
قتلته
قتلاتو
قتلاتا
مقابلة لك
مقابلتتك
مقابلاتك
مقابلة له


مقابلته
مقابلاتو
مقابلاتا

ويعود البدو إلى الصيغة الفصيحة في الأسماء الثلاثية التي على وزن فَعْل وفُعْل وفِعْل، وكذا في جموع الأسماء والأوصاف الدالة على الأمراض والألوان :
تِبْن ـ قَبْر ـ قَفْل ـ حُلْو ـ حُمْر ـ عُور ـ عُمي ـ بِيض. ويقولون في التصغير لـ :

         ت          
       ب
كبش
كبيش
كبيش
رأس
رويس
رويس
مفتاح
مفتيح
مفتيح
كرموصة
كريمصة
كريميصة
ومن جموعهم ما هو عربي فصيح كمفاتيح وحوانيت ودكاكين مقابل مفاتح وحوانت ودكاكن في لسان أهل الحضر .
ومن جموعهم أيضًا ما يكون على زنة المؤنث السالم بزيادة الألف والتاء أو ما يكون بزيادة الألف والنون كما في قولهم كباش سمينات ـ أيام ياسرات ـ جمال ـ وردان.
ولهم صيغ في الجمع لا تكاد تستعمل في المدن كصيغة فعل وفعل وفعلّ       مثل قولهم: سُبق جمع سابق، وشُرُّف جمع شارف، وجِرِّم جمع جارم، وبفِرة جمع       بقرة وغِرِبَّة جمع غراب، وعِقِبّة جمع عقاب، ويستعملون لجمع الجمع صيغة مختلفة   كما في فرسان يقولون فراس وفراسين، وفي نسوان نساوين، وفي نيران              نوارين .
وطريقة النطق بالبوادي ليست واحدة هي أيضًا، بل هي مختلفة بحسب   اختلاف المناطق كالاختلاف في المدن والقرى الذي أشرنا إليه بحسب الجهات .
وأبرز المناطق للقبائل و" العروش " وهي بطون القبائل في البلاد التونسية اثنتان:
       الأولى: تمتد أواسط البلاد من شمال الشط إلى مجردة وتشمل من القبائل   الهمامة: والفراشيش وماجر وجلاص وأولاد عيار وأولاد بوغانم ودريد .
والثانية: تمتد في الجنوب مسايرة للساحل إلى حدود ليبيا من جهة، وتمتد إلى حدود الجزائر متصلة بسوف جنوبًا وتالة شمالاً من جهة أخرى، وتشمل هذه المنطقة الثانية عددًا كبيرًا من القبائل هي: ورغمة والمرايف ونفزاوة وعكارة والحمارنة  وبنوزيد وقاطنو واحات قابس والهوازية ، والعاربة ونفات والمثاليت والسواسي   وأولاد سعيد وهذيل ومقعد وخمير .
فإذا رمزنا إلى أصحاب المنطقة الأولى بـ (أ) ولأصحاب المنطقة الثانية بـ (ب) أمكننا أن نلاحظ الفروق الآتية في النطق بين أهليهما:

فصيح
(  أ  )
(  ب  )

فصيح
(  أ  )
(  ب  )
آخر
آواخر
آخُر

فرسه
فرسو
فرسا
بقرة
بقرة
بُقرة

قتلوه
قتلوه
قِتلوه
ربطت
ربطت
رُبطت

كلبه
كلبو
كلبا


رِبطت

امرأتى
مرتى
مرتى ومِرتى
عتبة
عتِبة
عِتبة

يأْخذ
يوخذ
يأْخِذ
عربى
عربى
عُربى

يأْكل
يوكل
يأْكِل
ويأتي اسم الفاعل واسم المفعول بصيغة واحدة عند أهل المنطقة الأولى كما في مسمى لمسمى ومسمى، ويفرق بين الاسمين عند أهل المنطقة الثانية الذين يقولون في اسم الفاعل من ربَّى مربّي وفي اسم المفعول منه مربّى .
وتقترن كلمة بعض أمام ضمير الجمع عند (أ) يقولون بعضاهم وضمير الجمع للغائب عند (أ): هم وهوما وعند (ب) هم وهنن، ويفرق أصحاب المنطقة الثانية بين المذكر والمؤنث تفريقًا واضحًا كما في بيتك للمذكر وبيتك وضربك وضربك   للمذكر وضربك وضربك للمؤنث، وربما أبرز نون النسوة كما يقول المرازيق بيتكن، وجيتن في بيتكن وهذا اللسان مع اختلاف اللهجات فيه قد مسه تطور كبير وكان  مرة ضعيفًا ممتهنًا مردودًا وأخرى مؤيدًا محتفلاً به مقصودًا .
كان اللسان الدارج لغة العامة دون الخاصة. وكان هؤلاء لا يستعملونه إلا في الحوار وللضررة. وإذا كانت الفصحى هي التي سادت في الأول لكونها لغة القرآن والدين والدرس والعلم والأدب والفكر، وكانت تمثل وحدها بتونس لغة الحضارة والرقي والمعرفة فإن اللغة الدارجة إزاءها كانت بدون شك وفي نفوس المتحدثين بها لا تسمو إلى مكانها ولا تبلغ شأنها، ولا تستطيع أبدًا مزاحمتها خاصة بالمعاهد العلمية والمساجد مثل جامع الزيتونة ومراكز التعليم الديني الإسلامي ومجالات الوعظ   والتوجيه وعند الأئمة ولدى العدول والقضاة والمحامين وكل الإدارة التونسية. كانت الفصحى المميز الفارق بين العالم والجاهل والمتقدم والمتأخر، وكان الحديث بها شرفًا وكمالاً يحاول كل التونسيين أن يناله ويحصل عليه لو انتشرت المدارس وعمت دور المعرفة والعلم أطراف البلاد .
فالدارجة إذن لم تكن تُكتب أو تُقيد إلا عند القليل وفي القليل من الأحيان والمناسبات. ولم يكن يعنى بها غير طائفة من الغربيين والمستشرقين، فلما احتاج إليها الساسة، إما لجهل بعضهم بالعربية وعدم ممارستهم السابقة لها، وإما لتحقيق التوعية الشاملة ومخاطبة كل فئات الشعب باللسان الذي تفهمه واللغة التي تستطيع الحوار والمناقشة بها، وقف رئيس الدولة إلى جانب الدارجة واعتمدها وسيلة خطاب جماهيري مقدرًا فيها أقرب وسائل الإبلاغ. وهكذا أصبحت الاجتماعات الحزبية التي تنعقد لا تعتمد في الأكثر غير العامية، وظهرت إلى جانب حصة نشرة الأخبار والتعليق عليها باللسان الدارج ببرامج الإذاعة حصص الأدب الشعبي، وعنيت وزارة الثقافة بتكوين لجان تجمع تراث الأدباء من أزجال وأمثال ونحوها، وعقدت المسابقات بين شعراء الملحون، كما كانت تعقد بين شعراء الفصحى وحدهم. ولكن ذلك مهما نما وزاد   لم يكن ليكتب للدارجة قدرة وشرفًا أو يحلها من عامة الناس، وفي قرارة نفوسهم،  المحل الذي يريده لها دعاة العامية الزاعمون أنها لغة البلاد، وأنه لا حاجة معها إلى الفصحى العربية .
       والملاحظ مع ذلك أن تطوّر الحياة والأوضاع بعد الاستقلال :
أولاً: بنشر المعرفة وتكوين المدارس وإقامة المعاهد في كل مكان بالمدن  وبالمراكز والقرى وبالمناطق الريفية النائية .
وثانيًا: باستعمال مختلف وسائل الإعلام وانتشار أجهزة الالتقاط لعديد الإذاعات.
وثالثًا: بالبرامج الثقافية والخلايا أو الشبكات التي تعمل جاهدة من أجل تقريب الكتاب من القراء والمطالعين في كل مكان، والتي يفرض عليها نشاطها أن تتحدث أحيانًا كثيرة بالفصحى وبالفصحى فقط خاصة في المناسبات الدينية واللقاءات   الفكرية والأدبية .
غيَّر من أحوال الدارجة فتقاربت لهجاتها ، وتبدل الكثير من ألفاظها وتهذبت مادة واستعمالاً، وانصرف العديد من الناس عنها بحكم التعلم إلى استبدال أحد  اللسانين العربي الفصيح والفرنسي بها لتغير اهتماماتهم وارتقاء أوضاعهم ومفارقتهم لأوساطهم التي نشأوا فيها ودرجوا بها إلى أوساط أخرى تختلف وتتميز عنها تمامًا . وهكذا إلى جانب الدارجة المهذبة الجديدة في الأكثر والمهجورة في الأقل يجد التونسي نفسه أمام مشكل لغوي أشد حدة من السابق تتنازعه أسبابه وتتمزقه دواعيه؛ فهو في صراع آخر في أكثر أوقاته وخارج المحيط العام الذي يضطره قليلاً إلى استعمال الدارجة، إما منصرفًا إلى التكلم بلغته القومية: العربية، لغة دينه وقرآنه وبني جلدته،  وإما إلى الحديث باللسان الفرنسي الذي يحمل إليه كل مستجد من الحياة وكل ما له عميق الأثر في نفسه من ألوان الثقافة والفكر والحضارة .
والتحقيق أن الناس وإن بدوا ممزقين وموزعين بين اللغتين الحضاريتين العربية الأصيلة والفرنسية الدخيلة في تونس منقسمون فئات ثلاث:
أما الأولى فهي التي لا تعرف غير الفرنسية، وهذه بحمد الله صنف قليل من التونسيين لا يكاد يذكر، تخرَّج من مدارس الاحتلال الأجنبي التي أقيمت إثر انتصاب الحماية بالبلاد التونسية فراعه وبهره ما للغة القوي الدخيل من رُواء وكمال وعزة . وذهب يعلن أن هذه اللغة وحدها هي العملية وأنها تستجيب دون غيرها لكل مقتضيات الحياة وتطوراتها وما يعايشها يوميًّا من تقدم آلي وتقني ورقي حضاري،   فهو يحتقر العربية ولا يتكلمها لجهله المطبق بها، وإذا تحدث إلى من لا يعرف الفرنسية كان مقتصدًا جد مقتصد يستعمل كلمات قليلة عامية على اشمئزاز وضيق. وإذا خلص من دواعي هذا القول عاد إلى تفاصحه بغير العربية. كنت تجد ذلك عند الكثير من أفراد هذه الفئة وخاصة النساء والفتيات المتعلمات اللائـي يجـرح كرامتهـن ويشين
تقدمهن للكلام بغير الفرنسية .
وأما الفئة الثانية فقد درست العربية والعربية وحدها، فوجهت إليها عنايتها وتضلعت بها وقامت عليها فهي المتمسكة بشرف الفصحى الداعية لها المفارقة لغيرها. وقد قصرت هذه الفئة عن مشاركة غيرها في أسباب التقدم الحضاري والفكري إلا   أن يأتيها ذلك عن طريق المترجمات، وما ينقل إلى العربية عن روائع الأدب الغربي والفلسفات والآراء والأفكار الأوروبية .
وأما الفئة الثالثة فهي أكثر المتعلمين ببلادنا بالأمس القريب . تلقت معارفها وتخرجت من المدارس الفرنكو عربية ومن المعاهد الثانوية والمدارس العليا .كانت تلقن كل المواد بالفرنسية ولا يكون لها من حظوظ دراسة العربية إلا زمن قليل جدًّا وفي أوقات متميزة لهذا الغرض إلا من كان له منها بمحيطه الخاص أو بيئته من يعينه على إكمال ذلك النقص وتعليمه العربية. وهذا العنصر الذي تتكون منه الفئة الثالثة في مجموعها وإن ادعى معرفة اللغتين العربية والفرنسية بعيد جدًّا عن إتقان إحداهما، فاقد للقدرة على استعمالهما استعمالاً سليمًا وفصيحًا. فهو كلما خانه التعبير باللغة التي يتحدث بها ركن إلى الثانية مستنجدًا ومستعينًا للوفاء بما يروم الإعراب عنه. ولغلبة اللسان الفرنسي على هذا الصنف كان أكثره لا يرى عن الفرنسية حولاً ولا يرضى  بها بدلاً.
ومن هذين الصنفين الثاني والثالث تكون غالب المثقفين التونسيين فصدرت عنهم كتب ودراسات ومقالات وأشعار باللسانين العربي والفرنسي .
وكانت العربية التي يكتبون بها والتي نقرؤها في الصحف والمجلات وما نشر   قبل الاستقلال تنطق بعدة ظواهر:
منها استعمالات فصيحة مهجورة في غير تونس كتأنيث السلم وورود أين  بمعنى حيث .
ومنها ألفاظ اصطلاحية خاصة، كالتعبير للتعليب. والتسويغ للكرا، والفصول للمواد، والقار للدائم .
ومنها استعمالات معدول بها عن الأصل الثابت الفصيح كحَجَّر بدل حَجَر، وأطرد بدل طرد، واقتبل بدل استقبل، وأبهر محل بهر، وصلوحية مكان صلاح،   ورصيفة موضع زميلة، وشاح بدل جفّ، والوسق عوض تصدير، وتوريد بدل استيراد.
ومنها ما يشهد للتأثر بالفرنسية وهذا كالذي شاع في الغالب عن أقلام  المترجمين من مثل استعمال وقع في نحو قولك: المسألة التي وقع بحثها، والجريدة   الناطقة، ولفائدة السلم مكان من أجل السلم، والنسبة لكونغو وطوجو وإلكترون  بنحو كنجولى وطوجولى وإلكترونية .
ونحن إلى جانب هذه الملاحظات المتعلقة بالعربية المكتوبة اليوم بتونس والتي   هي كما هو الحال في كثير من البلاد العربية، تسمو وتتضع وتقوى وتضعف فتمثل الصراع الذي أشرنا إليه بين اللغتين وبين الفئات المنتسبة أو المنتصرة لها حالات عامة شعبية ومواقف خاصة صدر عنها مسئولون .
أما الحالات العامة فتظهر في الشعور القومي قبل الاستقلال بوجوب الأخذ بالفرنسية والاعتماد عليها كلية لبناء المستقبل، ثم في التحول عن هذا الشعور تدريجيًّا إلى وجوب إتقان العربية لغة الإسلام والعرب جميعًا، ولزوم استعمالها أكثر في الحياة اليومية والإدارية والعلمية والفكرية من أجل بلوغ مراكز القيادة والريادة في الغد الأفضل .
وأما مع المسئولين فقد لاحظنا لدى الفئة الثانية القائمة على شرف الفصحى وخدمتها تحويلاً في برامج التعليم بجامع الزيتونة وبمعهد الخلدونية بتونس ، وباللخمية بصفاقس؛ وذلك بإدخال العلوم المختلفة الرياضية والطبيعية ونحوها في مناهج الدراسة وتلقينها للتلامذة والطلاب باللسان العربي الفصيح، مقيمين بذلك الدليل العملي على أن اللغة العربية ليست كما يزعم خصومها صعبة معقدة لا تواكب التطور، وتعجز  عن الوفاء باحتياجات العصر. وهكذا أمكنت الكثير من الطلبة بعد حصولهم على شهادة التحصيل العصري أو شهادة البكالوريا العربية من الالتحاق بالكليات العلمية بالجامعات العربية في المشرق .
ولاحظنا إثر ذلك حركة رد فعل لدى ثاني وزير للتربية القومية بتونس في عهد الاستقلال، فقد كان مع حبه للعربية وتعلقه بها واعتداد بمقدرته فيها يسره ألا يتكلم بين خاصته ومن حوله إلا بالفرنسية، ويرى بحكم إجادته للغتين، وهو أمر كما ذكرنا قليل جد قليل، أن الحاجة ماسة إلى ازدواجية اللغة وازدواجية التعليم، وقد نادى   بذلك وخطط له في سياسة تونس التعليمية وصرح به لبعض الصحف قائلاً:
" إن الازدواجية في اللغة تبدو من الناحية النفسية البيداجوجية نوعًا متميزًا من التكوين، هو بدون شك أصعب، ولكنه أثرى، إذ الازدواجية في اللغة تعني مضاعفة   في الثقافة وفي نوعية التفكير وفي الشعور والتخيل وفي أبعاد الفكر، كما هي مضاعفة للشخص ذاته، وأمام هذه المكاسب نقدم على اختيار الازدواجية مواجهين كل الصعوبات ومتغلبين بسهولة عليها. ويتأكد أن نضيف إلى ذلك أن الازدواجية في   اللغة مثل للتكوين الصحيح، متى انتهت بصاحبها الآخذ بها إلى حصيلة غنية من ثراء اللغتين والثقافتين، فهي لا تشكل أبدًا خطر محو الشخصية القومية، بل التي على  العكس تعطي تلك الشخصية كل أسباب التجديد والتفتح والتطور في ظل العالم الحديث .
ومضت سنين على هذه التجربة التي انتهت إلى نتائج سلبية غير سارة ولا مقبولة. ونادى كثير من رجال التعليم بالتعريب وتشكلت لجان من أجل توحيد المصطلحات بين أبناء المدارس في كامل بلاد المغرب. وانتصرت أخيرًا هذه السياسة، وبدأ التعريب فعلاً في المدارس والمعاهد والكليات. وإنا لنرجو للفصحى فوق ذلك مظهرًا .
*       *       *