jeudi 13 septembre 2012

شخصية السائح ابن عبد السلام الرباطي للفقيه محمد المنوني


  دعوة الحق العدد 52


 
قضى شيخنا السائح حقبة ليست بالقليلة في أداء رسالته الثقافية بين قومه ثم مضى إلى حيث يجد ثمرة أعماله الخالدة.
شنشنة الحياة في السير قدما طاوية مراحلها المتقاربة أعمارا وأعمارا، فهل يا ترى يشعر الغافل ويستيقظ الولهان، فينظران بعين ملؤها الأسى والأسف على ارتحال عباقرة، وانتقال نبغاء كثيرا ما تلهف الشعب على تكوينهم، وسعى بصدق في إيجادهم حتى إذا ما لبت الظروف المطلب وأسعف برشحة من رشحاتها الضنينة انقلبت على عاداتها مكشرة فأودت بأعز ما كانت أسعفت به، إنها شخصية عالمة قام المغرب بنافس بها نبغاء المعرفة في الشرق والغرب، شخصية نادرة من نوادر الاطلاع، آية بينة من آيات المعرفة- سواء في دروسه التلقينية أو تحريراته العلمية، أو مذكراته الواسعة وأحاديثه الفنية، إذا جلس للدرس تصدى لتحليل موضوعه بطريقة سهلة منتجة مبناها السير والتقسيم، والانتقال من الفظ إلى المدلول ثم منه إلى المراد العلمي،وهو في هذه الأثناء كالطبيب المعالج اسبر غور تلاميذه مستعرضا أقدارهم ونفسية كل على حدة في أسلوب هو إلى الجديد أمس منه بالقديم كطريقة بين الطريقتين يكاد تلميذ المعاهد العصرية لا يميز بين ما نشأ فيه من الدراسات ودراسات المترجم الذي كان في أكثرها يمزج تحليلاته العلمية بنوع خاص من الفلسفة الفنية والتعليلات الصحيحة التي تجعل الطالب القروي كغير مؤمنا في اطمئنان بما يدرس من مسائل العلم لا سيما المشكل منها. إذ كان في تقريراته العلمية، ورجل الكشف والتنقيب عن مخبئات العلم ومكنوناته إزاء أسرار تشريعية تبعث بطبعها في التلميذ الولوع روحا جديدا يكون منه جوا صافيا للكرع من ينابيع المعرفة في هدوء.
فكان ينشئ تلامذته على الفهم والإدراك، مربيا في روعهم ملكة الأخذ، وكيفية البحث والاستطلاع سواء في فروع العلم أو أصوله، وهذا ما نصبو إليه، ونود بملء قلوبنا من رجال المعرفة لو ينهجون نهجه ويسلكون محجته لبناء صرح جديد في أجواء التكوين الصحيح، إذ نحن أحوج في عصرنا المائل إلى هيئة عالمة تحمل مشعل التكوين المنتهج بخلق أساليب يشع نبراسها على المعارف هنا وهناك على المنهج الذي كان ينسج على منواله الشيخ السائح سائرا بخطا واسعة على افريزه حاملا لواءه الخفاق مشيدا بإنتاجه في شتى المناسبات وأكثر الأحاديث التي كانت تنبعث من أعماق شخصه المهيب، وجده المتزن وطبعه اللين ومبدئه الثابت يجنح إلى السلفية مترسما محجتها البيضاء، ذائدا بكل ما أوتي من جهود عن مذاهب أهل السنة في كفاح مستمر، وجهاد متواصل.
فيا خيبة من بدا بمظهر البدعة ومنظر الشعوذة والتدجيل فهناك يتجلى غضب الأستاذ وحنقه وقد زوى وقطب ما بين عينيه مفوقا سهامه الصائبة لجامعات التضليل والتهريج، باعثا الحجة تلو الحجة حتى تراهم وقد اندحروا منهزمين زرافات ووحدانا خصوصا من تقمص منهم بسربال التصوف والكاذب، وتجرد للخداع في ستار مموه أو سجاف مبرقش لاقتناص البسطاء، والإيقاع بالضعفاء، وحرصا منه على خدمة السنة وتنوير الأفكار، حبر رسالة تحدث فيها عن أدعية وأذكار بعض المتصوفة داحضا فيها دعاويهم العريضة ومبارياتهم المغرضة التي تتم عن استقصار الوارد عن الرسول الأعظم أعطاها لقب (المنهل الوارد في تفضيل الوارد) وهي طافحة بالبيانات التقديرية لأذكار الرسول صلوات الله عليه في تأييد بعضها من ىي الوحي المبين مثل قول الله تعالى:( وله الأسماء الحسنى فأدعو بها، وذروا الذين يلحدون في اسمائه) وقوله:(وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه،ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) ولا نذهب بعيدا عن فهم أفكاره تلقاء حملاته الشعواء على رؤوس الغواية- إذ لم يكن متطرفا فيها، ولا في حربه متعسفا، بل كان يقف في وجهته الإصلاحية موقف المتبصر المعتدل- يميز الخبيث من الطيب، والرديء من الجيد، فقد شاهدنا له مواقف دراسية حول الغزالي وأفكاره الفلسفية والمنطقية في تهافت الفلاسفة، ومعيار العلم يعرضها للبحث، وبعضها على محك الدرس والنقد لافتا نظره صوب ما كتبه نقاده، وما حاولوه بمعاولهم الهدامة من إسقاط شخصه الفلسفي، قائما مقام الموفق بين آراء المنتقد وناقديه بما يخلق من الموقف انتصارا لجانب فيلسوف الإسلام الغزالين وبنفس الظاهرة نجده كذلك بذود عن فلسفة ابي الوليد بن رشدن وتصويب حكمته، ودراستها بالطرق القانونية والأساليب الفنية لحد الإعجاب بآرائه، والاستشهاد بمقالاته والعكوف على فهم كتابه(فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) كما كان يفعل المستشرق ارنست رينان الذي افرد الفيلسوف ابن رشد ببحث خاص ومن بين سطور هذه الدراسات العميقة يتخلص لأفكار الشيخ الأكبر محللا غموض عبراته المشككة، وأساليب المعقدة، وفهومه الخاصة في_الفتوحات والفصوص) إذ يبسطها بسطا يرى فيه منغمرا في أذواق الشيخ ونزعاته الصوفية سابحا في بحر خياله المتموج أملا بلوغ شاطئ النجاة حيث الملتمس المنشود، ورغم هذا النصب الثقيل يبقى في قرارة النفس شيء من تلك الدراسات النفسية وبالأخص عندما تبدو للدارس أعلام عالم النفس والروح فيعود من هذا المبدأ حامدا سلامة الإياب مؤمنا ببعض، متوقفا في بعض.
ويود الكاتب لو شارك لقارئ في حقل من حلقات المترجم أيام كان يدرس شفاء عياض سنة 1346 هـ موافق 1927م بمناسبة بزوغ هلال ربيع النبوي- فيرى كيف كان يحط رحاله ويتصدى لديباجية الشفاء العامرة.
كلهم حاولا الدواء ولكن                 ما أتى بالشفاء إلا عياض
فيعرض فيها لآراء القوم وأفكارهم الصوفية بينا تجده محلقا في سماء الولاية مبددا سحب الأوهام والخرافات إذا بك تلفيه منتقلا إلى مقام الصديقية، ثم منها إلى منبر الوحي والنبوءة في نظام تعلوه مسحة حال في جلد وقوة.
وان انس فلا أنسى مسامرته القيمة حول(فخر الدين الراوزي) بمعهد الدروس العليا بالرباط سنة 1943 م موافق 1362هـ ثاني عيد المولد النبوي تحت رئاسة صاحب السمو الملكي المولى الحسن مسامرة ممتعة برهن فيها الشيخ عن مقدرة فائقة في كيفية العرض والبحث على نسق ما يطرقه علماء الاستشراف في أبحاثهم العلمية ودراساتهم الواسعة تحليلا واستنتاجا اندهش لهما الحاضرون- في تقدير وإعجاب إذ حلل شخصيته تحليلا عميقا حتى ما ترك منقبة من منافيه أي ونشرها خصوصا ما يمت منها إلى الفلسفة والنفس بسبب، ظاهرة حفزت فدماء الثانوية الادريسية لطلب الشيخ في إلحاح إعادة مسامتره الفخرية بنادي المسارمات بفاس الفيحاء، وما كان منه سوى أن لب الطلب العلمي على عادته مما جعل له في الأوساط العلمية والأدبية صدى حميدا وأثرا خالدا.
ومن هذه النبذة الخاطفة نتبين في وضوح ما كان لعمليته المتينة من الميل الطبيعي لدراسة الفلسفة وعلوم النفس والعطف الخاص على كل علمائها الودود بقارع الحجة عن آرائهم المستقيمة وابتكاراتهم الصائبة في تأييد من الكتاب والسنة ما وجد لذلك سبيلا.
علاوة على ما كان لاطلاعه الواسع في العلوم الدينية والأدبية والرياضية وسوها من المشاركة الكافية التي كونت من شخصيته مثال العبقري النادر، يطرق الفن فيهضمه هضما ويركب صعبه فينقلب عن كثب سهلا ذلولا، ومتى ما اعتصت عليه بعض جزئياته، ووقفت تجاهه موقف الأشكال- قام قومه الصنع اللبق لحلها مبددا غيوم الهوس والشك المساورين مندفعا لوضع جزء خاص حول المشكلة، وكمله في هذا النوع من جرات لا نرتاب أن تكون نتيجة الشك. وفي المثل( أهتك ستور الشك بالسؤال) ولا يعزب عن بال المطلع، أن الشك أساس اليقين، ومن لم يشك لم يؤمن، فالشك عنصر من عناصر الدقة، وسلم الاستطلاع والوقوع على الحقيقة، وبالصدف عن فكرة الشك ينشأ الرضى بالتقليد وينطبع في النفس الميل إلى التواكل، والخمول، وما إليهما من صفات الخنوع القاضية على حرية التفكير وانطلاق الضمير.
ما عاش من عاش مقيدا- ولا ننسى دروسه التفسيرية التي كان يبعثها على جناح الأثير المغربي في ثاني الربيعين من سنة 1360هـ بطريقة الاختيار لأي من الذكر الحكيم تارة في الأحكام وأخرى في القصص وآونة في الكون والطبيعة، ففي التشريع ينشر آراء الأئمة ومذاهبهم في كل فرع والإدلاء بكل من النصوص القائمة والحجج الناهضة دون أن ترى له تحزبا لمذهب أو تعصبا لنحلة ولو مذهبه المالكي، إنما الحكم العدل والفيصل الحق لقوة الدليل ونهوض الحجة.
أما القصص فكان يبسطها متلمسا من ثناياها الحكمة والعبرة، وما كان أحب إليه حديث القصة وألذه إليه حيث يعيره التفاتا خاصا واهتماما غريبا يستوحي من بين سطوره مثلا عليا، واختلاقا فاضلة يكون لها حميد الأحدوثة في نفوس المستمعين وعلى الأخص منهم النشء الثابت الذي تعد القصة مناهم العوامل الناجحة في توجيهه الخلقي والثقافي، وما انفكت تلك الدروس التفسيرية لسورة يوسف عليه السلام مرتسمة بالأذهان لما كان لها في القلوب من الواقع الحسن والعظة المؤترة- كتفسير قول الله تعالى( فان كان قميصه قدمن قبل فصدقت وهو من الكاذبين وان كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين) وقوله:( اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليهم) وقوله( كذلك كدنا ليوسف) ومن عبقريته، انه كان لا يقف في تقاريره العلمية موقف الحاكي بجلب نصوص الكتاب والمفسرين ويعرضها عرضا جافا دون أن يكون له حظ الأخذ والرد بل والتوليد والابتكار في غير ما فن. ولمجهود باشا البارودي:
لولا مواهب في بعض الأنام لما                 تفاوت الناس في الأقدار والقيم
وها هو يقول أثناء محاضرته الثانية( أن من أنواع الأساليب اللفظية المتعددة- أن يوجد خلال فواصل الآي المقفاة فواصل أخرى مغايرة للفواصل التي بينت عليها السورة، وهو نوع على نهجه بنى التوشيح، وعلى وثيرته ارتكز أسلوبه، لم أجده منصوصا لغيري، وإنما وفقت إليه)ولا بدع أن يلهم شيخنا السائح لابتكار هذا النوع الفظي البديع الذي يسمح لشخصه العالم بوصف العبقرية وانطباقها على مهارته الفنية على رأي كنط الفيلسوف الألماني الذي قال عن العبقري:( انه من عمل شيئا ابتكره ابتكارا، ولم يقلد فيه أحدا تقليدا ويصبح عمله أثرا يتبعه الناس من بعهد) أو رأى مثله من فلاسفة الشرق والغرب ممن وقفت أقلامهم في كلمة(عبقرية) وتحديد مدلولها، وهو السائح ما برج يجلى في حلبة العبقرية ويسمو في أوجها بذكائه الفطري وعقليته الجبارة متابعا البحوث الرامية إلى تحليل الطاقة الذرية والتطلع من بعيد إلى معرفة ذراتها، وبذل الجهد لأدراك كنه ما تناثر من أجزائها، وما تطاير من جواهرها، ومنشأ مفعولها العالمي العام الذي خدر أعصاب حتى مخترعيها وسواهم من عباقرة الدول فغدوا يفكرون في اندهاش لوضعها تحت نير الرقابة تفاديا من شرها المتوقع، ولا ما يدعو إلى الغرابة إذا ما كانت الكلمات تروع وتفزع فيسطو عليها قلم الرقابة ومقراض التحذير والتشويش.
ورغم أن مزايا المترجم أفسح من هذا فنقف القلم قائلين:يكفي من القلادة ما أحاط بالجيد.

ترجمة فقيد الإسلام الشيخ محمد المدني بن الحسني للفقيه محمد المنوني


  دعوة الحق العدد 32 


 سعدت بالإقامة في الرباط خلال عام 1374-54-1955 في أيام كانت عامرة بالاتصالات برجال العلم والأدب الذين لا تخلو منهم هاذه المدينة العظيمة في كل وقت وحين، ومن حسن الحظ أن كان من بين الذين سعدت بلقائهم علامة مغربي كبير، ومحدث إسلامي شهير، المغفور له الشيخ محمد المدني ابن الحسني في مجالس كانت بمثابة ندوات علمية وأدبية: أفادت متناثرة متلاحقة : حديثية وفقهية وتاريخية وأصولية...انشادات يرسلها عند المناسبة كالسحر الحلال، تعابير فنية من الطراز الأول تتخللها ثوريات بديعة، أخلاق عالية ولطف وبشاشة.
  وقد كان – من بين ما قيدت عن الراحل الكريم خلال هذه المجالس – معلوميات عن ترجمته، ثم انضاف لها بعد حين معلومات جديدة نثرها  المترجم، ثم انضاف  لها بعد حين معلومات جديدة نثرها المترجم في الإجازة التي تكرم بها على كاتب السطور،وبعد هذا بقي الموضوع بحاجة إلى التتميم والتكميل، وذلك مأطلعني عليه ابن الفقيد وخلفه: الكريم ابن الكريم بن الكريم، علامة العصر سيدي عبد الكريم، وقد جاء من ذلك كله هذه الترجمة الصغيرة التي تتناول نبذة من حياة الفقيد العظيم، والتي أقدمها تذكارا لتلك المجالس العلمية العامرة، وأداء لبعض حقوق علمائنا الكبار، ومساهمة في إحياء ذاكراه الثانية بعد ما فاتني – لأعذار قاهرة –المشاركة في ذاكرة الأولى، وسأسير في هذه الترجمة حسب التصميم المصدرة به هذه المقدمة.

أولية المترجم:بنو الحسني علميون يرجعون للسيد الشريف المولى عبد السلام بن مشيش، ويعود تاريخ استيطانهم بالرباط إلى القرن الثالث عشر للهجرة، وقد ظهر فيهم بالعلم قبل المترجم:
1.والده الشيخ الغازي الذي تبرز في الحساب والتوقيت والتعديل، وتوفى بالإسكندرية مرجعه من الحج في صفر عام 1357، وقبره بها عند مشهد الشيخ إبراهيم السنوسي المغربي.
2. عم المترجم الشيخ محمد العلامة الواعظ الشهير المتوفى في جرب عام 1341.

مولده ومتعلمه الأولى:ولد بالرباط في ربيع الأول فجر يوم المولد النبوي عام 1307 الذي توفى فيه والده، ثم قرا القرءان الكريم و المتون العلمية بالرباط ومراكش التي سافر إليها عام 1312صحبة جده الوزير السيد الحاج عبد السلام التازي الربا طي المتوفى عام 1325هـ
وقد تلقى هذا المتعلم الأولى على (1) الأستاذ السيد علي السوسي الدمنتي المتوفي بالرباط عام 1323تقريبا.

مأخذه للعلوم: عاد للرباط عام 1318 فاخذ في قراءة العلوم الإسلامية والعربية على مشايخ بلده وهم:
2.القاضي الشيخ عب الرحمن بن بناصر بريطل الرباطي العلامة الكبير المتسع  المشاركة الحافظ في كل فن متونا عديدة المتوفى في صفر عام 1363هـ
وهو أول أستاذة المترجم وعمدته الذي اخذ عنه أغلب العلوم المتداولة من النحو والصرف والبيان
والعروض إلى المنطق والأصول  والتوحيد إلى الفقه والفرائض والحساب والتوقيت والتعديل، مع الموطأ والشمائل.
1. القاضي الشيخ الجيلاني بن أحمد بن إبراهيم الباطي العلامية الحافظ المفتي المتوفى عام 1336هـ.
قرأ عليه جل المختصر الخليلي من أوله إلى الإجازة مع بعض التحفة والزقاقية والخلاصة.
2. الأستاذ الشيخ احمد بن قاسم جسوس الرباطي العلامة الأديب الكبير المترسل المتوفى عام 1331هـ.
أخد عنه ما ينهاز النصف من المختص الخليلي وجل مختصر السعد على التلخيص وورقات أمام الحرمين و الجزرية في القراءات وهمزية البوصيري من قولها" ليته خصني برؤية وجه" إلى أخرها، والشمائل، والأربعين، والشفا وأوائل الموطأ، والرسالة.
قرأ عليه جل البردة، وبعض الهمزية البوصيرية من قولها "ومسير الصبا بنصرك شهرا..." مع أواخر الموطأ.
3. القاضي الشيخ احمد بن موسى الرباطي العلامة الدراكة الحافظ المتوفي 1328هـ.
أخد عنه بعض المختصر والخلاصة والجمل.
4. عم المترجم الشيخ محمد ابن الحسني العلامية الواعظ الشهير تقدم ذكر وفته قرأ عليه همزية البوصيري من قولها:" واتاها أن الغمامة والسرح..."، وجمع الجوامع لابن السبكي، والحكم العطائية، وادب الدنيا والدين للماوردي، وعيد النعم ومبيد النقم لابن السبكي، والتنوير لابن عطاء الله، وبعض الشفا.
5. الوزير الشيخ أبو شعيب بن عبد الرحمن الصديقي الدكالي الشيخ لأمام المحدث المفسر الحافظ الكبير المتوفيى عام 1356هت.
 سمع منه الصحيح الجامع الذي يرويه عن الأشياخ الأربعة الشيخ سليم البشري والشيخ على الصالحي والشيخ الطمومي والشيخ أحمد الرفاعي محشى بحراق جميعهم عن الشيخ منة الله عن الأمير بأسانيده في فهرسته، كما سمع منه بقية الكتب الستة والموطأ بأسانيده المبسوطة في إجازته للمترجم.

بقية أسانيده في الصحيح الجامع:زيادة على الشيخ أبي شعيب فان المترجم قرأ الصحيح الجامع للبخاري بين رواية ودراية على أشياخه ابن موسى سماعا من لفظ الشيخ لجميع الصحيح عدة مرات بالمشهد السائحي، و جسوس سماعا من لفظه لأوائله وأواخره وإجازة لباقية بالمشهد المذكور، وعمه ابن الحسني سماعا من لفظة لأوائله وأواخره بالمسجد السائحي : ثلاثتهم عن الشيخ الشيوخ الإمام الشهير أبي المحاسن العربي بن محمد بن السائح الشرقي العمري الفاروقي المكناسي ثم الرباطي المتوفى عام 1309 عن الشيخ عبد القادر الكوهن الفاسي بأسانيده المذكورة في فهرسته . كما سمع كل الصحيح بقراءة الغير على شيخه أبي حامد البطاوري مرة وبعض مرات أخرى، عن الشيخ أبي الحسن الدمنتي بأسانيده في فهرسته المطبوعة.

إجازاته:إجازة من أشياخه المذكورين: البطاوري مرتين الأولى عامة والثانية خاصة بفهرسة أبي الحسن الدمنتي حسب اقتراح المستجي، وجسوس بتاريخ أواخر ربيع الثاني عام 1330هـ، والشيخ ابو شعيب بتاريخ 7رجب عام 1338.
كما إجازة العلامة الإمام المحدث المسند المهاجر الشيخ(9)  محمد بن جعفر الكتاني المتوفى عام 1345 مرتين 1328-1344هـ وكاتبه مرارا من فاس والمدينة المنورة، ومن طريقه يسند حديث الرحمة المسلسل بالأولية : عن الشيخ حبيب الرحمان بن أمداد احمد الهندي الحسيني، عن الشيخ عبد الغني الدمشقي الميداني، عن محدث الشام عبد  الرحمان الكزبري... وممن أجازه بالمغرب أيضا(10) العلامة النوازلي المفتي الكبير الشيخ المهدي العمراني الشهير بالوزاني الفاسي المتوفى عام 1342و(11) العلامة المشارك الحيسوبي الميقاتي الشيخ المهدي متجينوس الرباطي المتوفى عام 1344.
ومن المشرق إجازة عام 1352هـأربعة من اعلامه: (12) الشيخ عبد الباقي بن ملاعلى الأنصاري الأيوبي الهندي اللكنويو (13) الشيخ إبراهيم بن عبد القادر البري المدني و(14) الشيخ محمد بدر الدين بن يوسف المغربي الدمشقي مدرس دار الحديث بها و (15) الشيخ عمر بن أبي بكر باجنيد الراوي عن الشيخ أحمد بن زيني دحلان المكي.

نبوغ مبكر:أخد يبدو نبوغ المترجم المبكر من عام 1323هـ حين كان عمره لا يتجاوز 17 سنة، وبعد ست سنوات أو أقل من اشتغاله بالتعلم،ففي هذا لأبان إخراج أول مؤلف له: (الفتح القدسي، والمنح الأوسي، في شرح قافية ابن عمرو الأوسي) وهو اسم شرح كتبه إذ ذاك على قافيته ابن عمرو الأوسي الرباطي التي وضعها في المديح النبوي، وعارض بها قصيدة الشمقمقية.
وقد أثارت هذه الباكورة الأولى من المترجم موجة من الاستحسان والإعجاب في أوساط أشياخه الثلاثة: بريطل والبطاوي وجسوس، وذهب الإعجاب بالأخيرين منهم إلى حد أن كتب كل منهم تقريظا على حدة، للتنويه بهذا الموضوع البكر المبكر، وهذا ما أملاه علي المترجم من التقريظين: كتب أبو حامد البطاوري:
"لله ما أفادنا
                 عنوان هذا الدفتر
 من همة سرية
                 دون علاها المشترى
أعيده من كل سو
                 بالبارئ المصور
إلى أن قال :
تبارك من أبدي غرائب صنعه
               وابدي من الإحسان ما جل عن عد
وعنوان أشرق البداية موذن
               بان نهاية العلي طالع السعد"
وكتب أبو العباس جسوس عقبة:
" الحمد لله على كماله، و الصلاة والسلام على يدنا محمد وءاله، قد عن لي أن أكون بعدا هذا السيد الحلاحل، القاضي الفاضل، مصليا، إذ كان – حرسه الله تعالى – مجليا، فأقول حامدا مصليا:
قد جئت على أصلك أيها الشاب الظريف، وأنسيت أيها المولى الشريف، و الاخضري وابن العفيف، وبرزت على الأقران، وصار دون ما ارتقيت إليه القمران.
امن لعبت به شمول
               ما أحسن هذه الشمائل
ولم يزل الأدب معشوق شريف الطبع ورقيقه من كل مدني، فكيف لا تهواه وقد سماك قطب الزمان مولانا السائحي- قدس سره- سيدي محمد المدني
وقلما أبصرت عيناك ذا لقب
                 ألا ومعناه أن فكرت في لقبه
والله يبقيك ويقيك ويرقيك ويزيد في معناك، و يسني سناءك وسناك، ثم قال:
حفظت يا نجل الكرام السبق
                 ودمت تبدي كل حسن موثق
لله ما صرت إليه طامحا
                 من أدب غض وعلم مغدق
أبنت عن فضل غزير وززنه
                 وهمة على الدراري ترتق
والمرء ينبى عن حجاه قوله
                 وقد نرى صنعا كثيرا الرونق
 بقيت محروس الجناب طالعا
                 كوكب سعد بمحيا مشرق"
هذا وإذا كان التأليف المتحدث عنه يتناول – إلى جانب السيرة النبوية_ اللغة والأدب، فان المترجم قد شفعه في طور الطلب أيضا أعوام 25-26-1327 بموضوعات حديثيه ليبرهن على تمكنه من التأليف في هذا الإبان، وليلوح لما سيكون له من مستقبل في علم الحديث بعد علم اللغة والأدب وسترد أسماء هذه الموضوعات الحديثة أثناء تعداد مؤلفات المترجم.
انتصابه للتدريس:
ابتدأ من عام 1332، وكان كلما ختم كتابا افتتح ءاخر، ولم يزل مواظبا على التدريس إلى أواخر عمه حيث اعترته الأمراض التي حالت بينه وبين أعز شيء عليه في الحياة .
وقد قرأ تفسير القرءان الكريم، وصحيح البخاري، والشفا، والمختصر الخليلي، وجمع الجوامع وتلخيص القزويني، والورقات الإمام الحرمين، والمرشد ولامية الأفعال، وغير ذلك من الكتب المتداولة.
كما درس كتبا لم تجر العادة بقراءتها أو تدرس بقلة: فقد اقرأ قوانين بن جزي، وعمدة ابن دقيق العيد، والبيان والتبيين للجاحظ، وزاد المعاد لابن القيم، وتنقيح القرافي، ومرتقي الأصول لابن عاصم، وألفية السيرة للعراقي، والمعلقات، ومقصورة ابن دريد، وقصيدة بانت سعاد، وذخر المعاد للبوصيري، ونصيحة ابن جعفر الكتاني.
وكان غالب تدريسه ببلده الرباط، ودرس قليلا بغيره: فقد درس افتتاح صحيح البخاري بالمسجد الأعظم من طنجة عصر يوم 28 جمادى الآخرة عام 1354 وانشد هناك قوله على منوال الصحابي السيد بلال:
الاليت شعري هل ابيتن ليلة
                  بطنجة حيث ماؤها وجنان
وهل اردن ماء الحديد بمنهل
                 وهل يبدون منها مجاز ومرشان
كما اقرأ نفس الموضوع بجامع المواسين من مراكش الحمراء، ذات الموقف المشرفة البيضاء والحمراء على حد تعبير المترجم، وذل بين العشائين عام 1365، وأنشد هناك قول القائل:
بالله أن وطئت مراكشا قدمك
                 وجزت يوما على تلك البساتين
أن لا تقدم أمرا قد هممت به
               حتى تحيي سكان المواسين

مؤلفاته :تبلغ موضوعات المترجم نحو الستين بعضها تام، وبعضها كالتام، والباقي غير تام، وهذه أسماء القسم الأول منها مرتبة- في الغالب- على تاريخ تأليفها.
1." الفتح القدسي، والمنح الأوسي، في شرح قافية ابن عمرو الأوسي"جمعة عام 1323، وتقدم انه التأليف البكر للمترجم.
2." نفائس لدرر، على باب الخصائص من المختصر" ألفه عام 1325 عند قراءته للمختصر على شيوخه، وجرى في تقرير كلام المتن على الوجه الحديثي مع إبداء ما على شارحيه من البحوث، وقد قرظ عليه بعض أصدقائه.
3. " حسن المرافقة، بتقرير باب المسابقة" ألفه زمن الطلب أيضا عام 1326 وسلك فيه مسلكه في سابقه.
4. "منح المنيحة، بشرح النصيحة" اسم شرحه الحافل على النصيحة الإسلامية العظيمة التي ألفها الإمام الغيور محمد بن جعفر الكتاني، ابتدأه في 15 محرم عام 1327، واتمة في صفر عام 1328 وتم تخريجه وتحريره عام 1330، يقع في مجلدات أربعة وكراريس 110 معتادة، وقد أطلع عليه كثيرا من أصدقائه وأشياخه الذين قرظه منهم أبو حامد البطاوري بقصيدة من أبيات 25مصدره بكلمة 15 محرم عام 1327، وأتمة في صفر عام 1328 وتم تخريجه وتحريره عام 1330، يقع في مجلدات أربعة وكراريس 110 معتادة، وقد أطلع عليه كثيرا من أصدقائه وأشياخه الذين قرظه منهم أبو حامد البطاوري بقصيدة من أبيات 25 مصدرة بكلمة.
5. "المرقاة في نظم الورقات" نظم فيها الورقات لإمام الحرمين عام 1335، وقد شرحها بعض أصدقائه، وقرظ عليها شيخه أبو حامد.
6." زبدة لامية الافعال" تلخيص لها بحدف الشواذ في أبيات 90نظمها عام 1338.
7." التخصيص، لاحاديث التلخيص" أملاه عند ختمه لتلخيص القزويني للمرة الثانية عام 1340.
8. "مقدمة الرعيل، لجحفل محمد بن اسماعيل" أي البخاري،ه وضعه في التحريض على السنة المطهرة واقتفائها.
9."مفتاح الصحيح" تناول فيه أسانيده إلى صحيح البخاري وتفصيل تراجم رجال سنده إليه المسلسل بالمغاربة والأندلسيين والفقهاء المالكية.
10 "الميزا الفسيح لبسملة الصحيح" حرر فيه تخرج حديث لأمر ذي البال المتعلق بالبسملة، وانفصل على ما للحفاظ ابن حجر وغيره من شدة ضعفه.
11. "إخبار البخاري" عقد فيه ترجمة للبخاري على وجه لطيف، و منزع طريف، لا على سنن المؤرخين وأرباب التراجم والمعاجم.
12 "رباعيات البخاري" وهو" الفوائد الإبداعية، من فرائد وصية البخاري الرباعية" تكلم فيه على وصية البخاري التي يقول فيها :"أعلم أن الرجل لا يصير محدثا كاملا في حديثه إلا بعد أن يكتب أربعا مع أربع" إلى أخر الوصية التي نقلها القاضي عياض في فهرسته و القسطلاني والسيوطي والمقري في النفح.
وهذه الموضوعات الخمسة كلها أملاها المترجم تباعا عند افتتاحه للصحيح أولا عام 1341.
13."أريج الزهر، وتفريج البصر، بتخريج أحاديث المختصر" أملاهç عام 1343 عند ختمه للمختصر الخليلي بحضور بعض مشايخه، وخرج فيه الاحاديث الواردة بالمختصر الخليلي تصريحا أو تلويحا وعددها 23 حديثا وأثر واحد.
14."أهلة المسترشد، لادلة المرشد" يحتج فيه لمسائل " المرشد المعين "- في الفنون الثلاثة- بالكتاب والسنة .
15."زبدة المرشد" رجز ملخص له ثلثه مع حذف أدلة العقائد الكلامية على سنن السلف.
16.-"الإشراف، على أسباب الخلاف بين الايمة المجتهدين" ألفه بمناسبة ختمه لرجزية ابن عاصم" مرتقي الأصول" وأطال فيه النفس، ويسمى أيضا "ارتشاف السلاف، من أسباب الخلاف" أو "القول المنتقى، في ختم المرتقى"، وقد قرظه العلماء السادة: المهدي الوزاني، والمكي البطاوري، وأحمد البغيثي، وبوشعيب الدكالي، والرافعي، أبو العباس سكيرج، والزموري قاضي لبيضاء، ودنية المؤرخ.
17.نظم رسالة محمد بن جعفر الكتاني في كتب السنة، المسماة:"الرسالة المستظرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة".
18."دليل الجنة من الكتاب والسنة"
19. "لبانة الإسعاد لبانت سعاد"
20." ردع المنكر، لنجاسة المسكر"
21."النفور، من عواقب وغوائل السفور"
ومما لا يزال غير تام من مؤلفات المترجم :
22. "إقامة الدليل، لمختصر خليل" شح على المختصر الخليلي يستدل لصوره بالكتاب والسنة أو القواعد الأصلية ليعلم المنصوص من المستنبط، مع بيان المرجع خلافه والاحتجاج له، شرع في تأليفه عند تدريسه له أول مرة عام 1339، ووصل فيه باب الحج واكثرة لا يزال في المبيضة والذي خرج منه سبعة كراريس تبتدئ من الأول إلى قول المتن "كشكه في يوم عرفة هل هو العيد "آخر باب الوضوء، ولهذا الشرح اسم ثان وهو "منار السبيل، لمختصر خليل" فهذه اثنان وعشرون من موضوعات المترجم، وفوق هذا توج له رسائل عديدة في املاءاته على ختمات المتون العلمية الأخرى، كما أن له قصائد شعرية في موضوع النصح و الإرشاد لأبناء وطنه، وواحدة من هذه القصائد توجد بتمامها في مفتتح الجزء الثاني من "الاتحاف" ومطلعها:
بني قومي أفيقوا من منام
               وجوا في المعالي باهتمام
وقد كانت هذه القصيدة كلها ضمن المحفوظات التي يستظهرها الفوج الأول من تلاميذ معهد مكناس عقب تأسيسه.
هذا ولا ادع الحديث عن هذه المؤلفات ون أن أشير إلى الروعة التي تتسم بها كثير من عناوينها التي جاءت من النوع المطرب المرقص.
كما أذكر أن لائحة هذه المؤلفات تفيد أن المترجم كان يساوق بكثير منها دروسه في إبان الطلب ثم في مرحلة التدريس، وإذا دل هذا على شيء فإنما يدل لى المثالية التي كان يلتقي بها دروسه في طور التعلم كما يدل على مدى الجهد الذي كان يبذله في إعداد دروسه
أيام التدريس مما يجعلها دروسا جامعية من الطراز الممتاز، وبهذا يكون كثير من مؤلفات المترجم تقدم حلقات متسلسلة من بعض دروسه العظيمة.

نباهته:انتدبه المولى يوسف للحضور في مجلس درسه الحديثي، ثم انتدبه بعد ذلك ابنه جلالة الملك محمد الخامس للحضور في مجلسه الحديثي ثم للتدريس في صحيح مسلم اعوام1357 وما بعدها، وأعطى دروسا للأمراء في المدرسة  الملكية بالرباط، وترأس امتحانات جامعة القرويين مرارا.
أما المناصب الإدارية التي شغلها فقد عين عام 1348 عضوا بمجلس الاستيناف الشرعي الأعلى ثم ترقى إلى رتبة مستشار ثم صار نائبا لرئيس هذا المجلس ثم رئيسا له، ومن 19 شعبان عام 1371 أضاف له جلالة محمد الخامس قضاء القصر الملكي، ثم تخلى عن ذلك كله إبان الأزمة  المغربية.

وفاته:توفي عصر يوم الاتنين 25 شوال عام 1378 الموافق 4 مايو سنة 1959 طيب الله ثراه وروح روحه في أعالي الجنان .

تعليق ختامي:يستخلص من عرض حياة المترجم: أنه أحد علماء المغرب الأفذاذ، بما له من المشاركة التامة في كثير من فروع المعارف الإسلامية، وبما له من التبرز في عدد من هذه الفنون، وبما له من التخصص الكامل في علوم الحديث، حسبما يستنتج هذا من العلوم التي درسها المترجم في طور التعلم، ومن نبوغه المبكر، ومن الفنون التي أقرأها في مرحلة التدريس، ومن الموضوعات التي كتبها.
وبقي بعد هذا أن نحاول استخلاص مكانة المترجم العلمية من خلال دروسه التي كانت ابرز عنصر في حياته الثقافية، وهذا ما يحدثنا به أحد الملازمين للأخذ عنه وهو الأستاذ الكبير الشيخ محمد المكي الناصري في الخطاب الذي ألقاه في تابين الفقيد بمناسبة ذكرى وفاته لأربعينية، والذي سجل فيه ارتساماته عن معارف المترجم ودروسه في القولة التالية:
".... فقد أحاط – رحمه الله – علما وفها بفروع عديدة من الثقافة الإسلامية الواسعة النطاق، وبرز فيها حتى أصبح العلم الفرد الذي يشار إليه بالبنان، وكان تبريزه بشكل خاص في علوم الشريعة وعلوم الحديث واللغة، والأدب والتاريخ، ولن يبالغ أحد من معاصريه أذا وصفه بأنه كان على رأس الحفاظ والمحدثين في العالم الإسلامي خلال هذا القرن، فقد أحيا بمجالسه العلمية، واملاءته الحديثة، سنة الحفاظ السابقين، وتقاليد الإملاء العريضة في عصور الإسلام الفكرية الزاهرة.
لقد امتاز شيخنا أبو عبد الله بوفرة الاطلاع وسعة الأفق. و المشاركة الدقيقة في عدد لا يحصى من فروع العلم والثقافة، وكان من شيوخنا القلائل الذين أخذوا من كل فن نصيب، وجمعوا بين القديم والحديث جمعا متناسبا لا تنافر فيه ولا اضطراب، وكانت روح الاعتدال والتوازن غالبة عليه لا تدع للتطرف والتعصب إليه سبيلا.
أما صناعة التدريس، فقد كان فيها الرائد والخريت الذي لا يضاهي بين الأقران، وكانت دروسه بمثابة محاضرات جامعية من الطراز الجامعي الممتاز، يسودها التسلسل والمنطق، وتطبعها السلاسة وحسن البيان، لا تشويش فيها ولا غموض، ولا خلط فيها ولا فضول، وكان يساعده على ذلك ذهن وقاد، وعقل متزن، وبديهة حاضرة، وذاكرة قوية، ولسان طلق بليغ، وفن خاص في حسن الاستطراد وحسن الاستشهاد.
وكان – رحمه الله – مثلا عاليا في ضبط النفس وقوة الأعصاب، يجلس الساعات الطوال- ولا سيما في "ختماته الشهيرة" – على حال واحدة، لا يتحرك ولا يهتز ولا يعبث بشيء من أعضائه أو أطرافه، ولا يغير الهيئة التي جلس عليها من بداية المجلس إلى نهايته، على غرار ما نقله التاريخ عن بعض كبار المحدثين الأولين، وكان – بالرغم من ذلك- لا تمل العين مرءاه، ولا يمل السمع صداه؟، فكان نبرسا لتلاميذ ته بعلمه وحاله وسمته رحمة الله عليه .
ولعل أستاذنا – رحمة الله – هو أول العلماء المغاربة المعاصرين الذي كان يلقح دروسه العامة بمعلومات قيمة عن النهضة الإسلامية القائمة في الشرق، وعن رجالاتها البارزين في ميدان الإصلاح والوطنية والسياسية والأدب، كلما وجد لذلك مناسبة، فقد كان من دأبه التنويه بهذه النهضة، وتعليق الآمال الكبيرة عليها في إنهاض المسلمين وتحرير ديارهم، ولفت أنظار طلابه إليها، وإحاطتهم علما بتطوراتها، مما أثار في نفوسهم النخوة الإسلامية، وأحيي في قلوبهم روح الاعتزاز بالعروبة والرق، وبعث فيهم روح الطموح والتحرر، وحب الإصلاح والتجديد، وجعل معركة التحرير القائمة في المشرق حاضرة أمام أذهانهم دائما.
لقد كان – رحمه الله_  على صلة وثيقة بعصره، وعارفا بالشخصيات، ملما_ على الخصوص_ بحياة المشرق الثقافية والأدبية والسياسية الماما بالغا لم يكن عند كثير من المشارقة أنفسهم، يعرف رجالات المشرق، ويعرف اتجاهاتهم في مختلف الميادين معرفة كافية، ويطلع على آثارهم أولا باول: لا يترك صحيفة ولا مجلة ولا كتابا ورد من الشرق إلا ويلم به الإلمام الشامل الكامل، ولا يبخل باراك تلاميذ ته في ذلك، بفضل الإشارات والتلميحات والاستطرادات التي كان يتحين لها الفرص مابين الدرس والأخر، الأمر الذي جعله_بحق _لا احد الرواد الأولين لقافلة الشباب الوطني، وللحركة الوطنية في هذه البلاد"..

وبعد :فرجائي الذي أختم بعه هذه العجالة، هو نشر موضوعات المترجم الصغار_ تباعا_ في هذه المجلة وأمثالها، مع التفكير في وسائل نشر المؤلفات الكبار، ولاسيما شرح النصيحة الجعفرية، والمخرج من شرح المختصر الحديثي، والله _ سبحانه_ ولي التوفيق.

أبو اسحاق التادلي الرباطي


  دعوة الحق العدد 27  


أبو إسحاق التادلي هذه الشخصية تعد في طليعة الشخصيات العالمية اجتهادا وإطلاعا –فهو العلم النادر، والآية الكبرى في المضمار الثقافي، والحقل العلمي –فبعدما تغذت أفكاره بالمبادئ الصحيحة وتقعد في أسسها الهامة– عن رجال مصره -رباط الفتح- عاصمة المملكة المغربية طمحت نفسه الوثابة لإشباع نهمه العلمي تحقيقا لقول الرسول الأكرم صلوات الله عليه : (منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا) فشد الرحلة إلى عاصمة العلم فاس الفيحاء ولازم أساتذتها طوال خمس عشرة سنة درس فيها كل ما كان يروج في أبهاء جامعتها الخالدة من علوم في الأصول والفروع، والمنقول والمعقول، والرقائق والفنون، ثم منها إلى مكناس حيث أزال ما علا بعض مقروئه من غموض والتباس.
وهكذا يرى الرجل كلما تقدمت به المعرفة إلا وتجددت مطامحه، وتضاعفت لذاته، فخطأ خطوات نحو الشرق العربي في تكرار رغبة في إرواء غلته، وإنماء معارفه آخذا عن أفذاذه الذين كان العصر ضانا بخلق نظائرهم في غير بقاع الوحي والهداية التي كانت إرجاؤها تعج بعباقرة المعرفة على اختلاف أشكالها وأفانين ألوانها.
 فعقب ما حصل الفقه أصولا وفروعا، وغدا مصدرا هاما من مصادر المذهب –تشوفت علميته الحرة لدراسة فقه باقي المذاهب غير قانع بمعرفة مذهبه المالكي الذي كان يعد الاقتصار عليه قصورا من رجال الثقافة- لهذه الظاهرة الغالية لم يقف جهوده الجبارة راضيا بمدارك مذهبه، واختلاف دراسيه رأيا ومذهبا بل حلق في أجواء باقي اختصاصات المذاهب إشرافا على الغابة التي يصبو إليها الأئمة في فهم نصوص الكتاب والسنة وتطبيقها على ما جد من حوادث وطرأ من نوازل، وهدف كل في وجهته التي أفرغ وسعه فيها رغبة في تحصيل علم أو ظن أثناء بحوثه.
ونجده في حال أخرى يدرس التفسير على أخصائيين من رجال الشرق تطلعا منه إلى الطريقة التي يسلكها المفسرون وفي تناول الآية الكريمة، وتحليل مفرداتها، ومعرفة ما تحمله فقراتها من معان قصد التوصل إلى إدراك المدلول الكلي للفاصلة القرآنية وما يجلب للبيان والإيضاح من نفس الكتاب أو السنة، ثم ما ينتج عن ذلك من استنباط واستفادة يلهمهما فقهاء النفس وأحرار التفكير الذين يستخدمون العلم مطبقين كلياته الأساسية لاستكمال لذة المعرفة، صادقين عن ترك القضايا جامدة خمة في الأذهان.
فأي قيمة يا ترى لقواعد العلوم يصرف الطالب في أخذها حقبا ليست بالقصيرة يضعها في زاوية الإهمال قانعا بمعرفتها معرفة سطحية غير عاملة.
فالمترجم التادلي في مراحل حياته العلمية يعد في الرعيل السابق لميدان الكفاح الثقافي الصحيح فلا تلفيه إلا واثبا وثبات نادرة لا يلوي فيها على غير الدراسة –من المغرب إلى الشرق ثم منه إلى أوربا يبحث علومها- ولغاتها فهو إذ حل باسبانيا طفق لوقته يشتغل بأخذ اللغات الأجنبية من فرنسية وانجليزية وتركية وفارسية وبربرية كاتبا حولها شارحا ما تحتويه تراكيبها من علم وفن وجمال، وليس في استطاعة أي مثقف أن يخرق هذا المسلك الوعر ويسلك مناهجه الشائكة دون أن يتوفر على مبادئ اللغة ويحذق مراميها تركيبا وذوقا ولو في إلمام قريب بمد لولات الألفاظ العلمية والاصطلاحية، في هذا الظرف الحاسم يرمي به ولوعه الخاص وقد ساعدته مذاهبه الخاصة إلى خوض غمار اللسان الغريب مستعذبا مشاق البحث الثقيلة في سبيل الوصول إلى غريب العلوم والفنون بواسطة اللغة، وليس هذا ببدع فإن الجهود الصادقة لا تكذب –فكم حصل المترجم في بحوثه من فنون- في الرياضة والجغرافية، وعلوم البحر والملاحة وحساب عروضه وأطواله وتقدير عقده، ومعرفة رياحه -غير واقف عند حد فهم ذلك وإدراك أسراره بل توفق في نفس الحال لتسجيل منتوجاته والتحرير حولها ابتغاء الشيوع وعموم النفع- طابع خالد عرف به التادلي منذ ما يقرب من سبعين سنة، ومما يزيد المستطلع على حياته تقدير شخصيته النادرة تلك الظاهرة الفنية التي جددها علماء الاستشراق أو تواطأ المترجم في معالمها مع بعض خبرائهم في الشرق والغرب الذين كانوا يتجردون للبحث ولو في التافه في نظر القاصر فهم كلما آدتهم خاتمة المطاف لحلول قطر من القطار إلا وخالطوا أبناءه عادة ولغة محللين كل ما يبدو غريبا عن مألوفهم بعيدا عن متناولهم، مقارنين ماله صلة بمتعارفهم ومحيط بيئاتهم فلا تمضي على الباحث أيام وأيام حتى بطلع على أمته بمجلد حافل بالمشاهدات والملاحظات يدهش لها المواطن الغافل مغرقا في الغرابة في حياء أمام إنتاج الأجنبي في ترابه ناعيا على نفسه جهلها بخيرات بلاده ومكنوناتها الغالية.
فعلى هذه الطريقة كانت بحوث أبي إسحاق واتجاهاته في رحلاته وتنقلاته يسجل في مذكراته ما يلفت نظره ويهز لوعته نحو الفن وجماله.
فهو شيخ الرباط والمجدد للقرن لا يبرح التوفيق حليفه في الكتب والتحرير خصوصا في جد العلوم ومفيد العموم –فنجده يكتب على (مزهر السيوطي) في علوم اللغة وفقهها، وهو ما هو اعتصاء وقوة فيحل مغلقاته، ويحلل مشكلاته بقلم سلس وتعبير سهل ما شئت في التذييل من أمثال وشواهد للبيان والإكمال يفتحان في وجه القارئ مغلق كل عويص يعترضه في تلقي اللسان العربي الذي كان خريج الثقافة يعجز عن حل ما اكتنز في مسالك فصوله، واختبأ بين أبوابه وسطوره مضيفا إلى ذلك عنايته الخاصة بمعجم الفيومي ومصباحه المنير موضحا ما أشكل، مستدركا ما فات واغفل –بحواشي قيمة ليتها حفظت وإلى جيلنا المتعطش قدمت.
ثم ليس الغريب مجرد الكتب على هذه المصنفات بل الغريب المدهش الإقدام على الخوض في ذلك وهو لا يتصور إلا من قدير عركته المعرفة وعركها وتجاذبا الأردن، وتراكضا الأفراس في الميدان –مظاهر غريبة امتاز المترجم بها عن معاصريه في العلوم والفنون والكتب عليها بما يزيح الستار عن مدفون فلزها المكنون ليصور لنا في ذات الوقت شخصية السيوطي ثاني مرة متقمصة في شخصه العالم فإذا كان السيوطي دائرة معارف القرن العاشر فشيخ الرباط التادلي معلمة هذا القرن ومجدده- بل آيته الكبرى في عصر النهضة الحسنية فقد بلغت تآليفه ما ينيف على المائة وعشرين تأليفا ضاع جلها ضحية الإهمال إلا بقية نثرت هنا وهناك –تلوح إلى بعضها : حواشي على المكودي غير مخرجة، وحواشي على تصريح الأزهري غير مخرجة وشرح على التسهيل والكافية لابن مالك وشرح على فريدة السيوطي لم يتم ورسالة في علم الاشتقاق وشرحها لم يكمل، وحواشي على المحلى، وأخرى على البيضاوي، وحاشية على الخرشي، وحواشي على المذاهب، وحواشي على الجلالين وأخرى على رسالة ابن أبي زيد، وحواشي على ملتقى الأبحر في فقه الحنفية، وحواشي على نظم الزبير لابن وسلان في فقه الشافعية، وشرح الكرة في علم التوقيت، وشرح الإسطرلاب، ورسالة في استخراج المواقيت- بحساب الجيب، وحاشية عن ابن الشاطر في علم التعديل، ورسالة في علم البحر (زينة النحر في علوم البحر) ورسالة في الموسيقى (أغاني السقا في علم الموسيقى) أسفرت عما كان عليه التادلي في دراسة الفن للفن لا سيما مارق منه كالموسيقى التي كان المجموع يزدريها ومتعاطيها معا جهلا بمضامين جمالها وما تنطوي عليه في عالم  الرقة وتليين الشعور بل وشفاء الأدواء والأسقام بما جدده العلم الحديث اليوم وأصبحنا نرى له المعاهد والمدارس مفتوحة ف يوجه عشاقه حتى كان ما حبس عليه من طرف إسلامنا للطب النفساني والعلاج العقلي لم يكن في يوم من الأيام تجري نغماته وألحانه في قاعات المارستانات بفاس وغيره.
وكان شيخه في الموسيقى هو الأستاذ حدو بن جلون الفاسي كما صرح به في ترجمة نفسه بقلمه، ولا أطيل بسرد باقي التحريرات والمصنفات، وقد أدرك رحمه الله سر الأساليب وأعاجيبها في التقريب على الإفهام والذهان فكان كلما وضع مؤلفا إلا وجعل منه ثلاث طبقات –ابتدائية، ووسطا، وعالية- شاعرا بتفاوت القارئ واختلاف مستواه حسبما يجري في بنود المناهج الحديثة اليوم محللا كل غموض تحتويه عبارات الأقدمين من رجال التصنيف، نعم إن هذا الاتساع في العلم وتلك القوة في التحرير والتأليف التي توفر عليها الشيخ التادلي لم أر له فيها نظيرا غير أبي زيد الفاسي صاحب الأقنوم، والسلاسة في علوم السياسة وهكذا، على أن مترجمنا قد امتاز باختصاصات ألحقنه بأكبر رجال الاستشراق كما ألمعنا له آنفا.
وقد أبهر علماء الشرق في دروسه وإملاءاته وقوة عارضته كما أشار لذلك الشيخ رشيد رضا في كتابه (إخاء أربعين سنة) ذاكرا أن شيخ الديار المصرية محمد عبده حضر بعض دروسه بالشام فكان من المعجبين به بيد أنه لاحظ كون الشيخ التادلي أفرغ تلك القوة في أبحاث لسانية قد لا يكون لها غناء في المجموع.
وتعرض لذكر جماعة من تلاميذه في مقدمتهم أبو حامد البطاوري في فهرسته، والشيخ الصوفي فتح الله بن بوبكر بناني في طبقاته، وأديب الرباط أبو العباس جسوس في كناشته، والشريف محمد بن الحسني في بعض تقاييده، والأستاذ الرياضي محمد المهدي متجينوش في بعض مؤلفاته، وكان له ف ي سلوكه مبدأ خاص ينطوي على مناقب شريفة، ومبادئ قويمة دعامتها الإيمان الصحيح، وطريقها الصراحة في الحق لا يحابي أحدا، ولا تأخذه في الله لومة لائم يصدع بالحق ولو على نفسه.

مقدمة تاريخ تطوان للفقيه محمد داود


الحمد للــــه
والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الهادين المهتدين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد، فهذا ما استطعت جمعه من أخبار «تطوان» وتاريخها، وما تطوان إلا مدينة متوسطة من مدن المغرب «وطني العزيز»، هي مدينة عادية متواضعة ليس لها تاريخ عظيم ككبريات المدن المغربية، وليست بها آثار عظيمة ممتازة، وسكانها اقرب إلى التواضع منهم إلى التعاظم والتفاخر، إلا أن لتطوان طابعا خاصا ومميزات اكتسبتها بموقعها الطبيعي، وبالعناصر التي يتكون منها سكانها، وبالشخصية القوية التي بها تستهوي كل من يستقر فيها، وبها تسيطر على ما عداها.
والذي يريد معرفة حقائق الأمور، ودرس تاريخ الأمم والشعوب، ينبغي أن لا يقتصر على الاطلاع على عظائم الأشياء وجلائل الأعمال، وينبغي أن ينظر في الجليل والحقير، ويتصل بالغني والفقير، ويجالس العلماء والجهال، ويبحث في مختلف الشؤون والأحوال. والتاريخ المغربي – كتاريخ بقية الأقطار والشعوب – ينبغي أن يسجل الحوادث الماضية كما وقعت، ويصور الحياة الحاضرة كما هي، ليعرف المجدون المخلصون أن جهودهم لم تضع، وان أعمالهم الصالحة، ومشاريعهم النافعة، ستدر لهم الإعجاب بهم، والرحمات عليهم، ويعلم الجبابرة والظالمون، والمقصرون والمهملون أن أعمالهم الضارة، آثارهم السيئة، ستخلد في صفحات سوداء تجعل أسماءهم مقرونة بالاشمئزاز والاحتقار.
والتاريخ على العموم، فيه نواح مختلفة، وكل ناحية لها محبذون يبتهجون بها ويتحمسون لها، كما أن لها أناسا يشمئزون منها ويستنقلون الكلام عنها، تلك سنة الله، ولن تجد لسنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا، وكل حزب بما لديهم فرحون.
لقد قضى وطننا المغربي العزيز حياته منذ وصول الإسلام والعروبة إليه إلى قرننا هذا الذي نعيش فيه، وطنا حرا عزيزا في نفسه، مستقلا في إرادة شؤونه وسياسته. وحينما امتدت سيطرة الأتراك على العالم العربي ومنه الشمال الإفريقي، كانت الحدود الشرقية للمغرب هي الحجرة التي وقفت عندها تلك السيطرة الأجنبية، بالرغم من كونها كانت سيطرة إسلامية لم يكن هناك مانع من الترحيب بها لولا الشعور الوطني والغيرة القومية على استقلال البلاد وحريتها.
وفي الوقت الذي كانت بلاد شرقية كثيرة ترزح تحت أثقال الاستعمار الأجنبي. كان «المغرب» يتمتع بكامل حريته واستقلاله، محفوظ الكرامة مهيب الجانب في الشرق والغرب، إلا أن دوام الحال محال، فالعظمة ما دامت لدولة ولن تدوم، والتأخر والانحطاط ما دام أيضا ولن تدوم، ولقد تسلط على المغرب في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن عاملان قويان قد استطاعا انم يهدا أركانه وينخرا عظامه، ذانك العاملان هما الدسائس الأجنبية من الخارج، والجهل العام المخجل من الداخل، لا فرق في ذلك بين رجال الدولة وسواد الأمة، وأمام هذين العاملين الفتاكين، أنهدت قوى المغرب الذي كان عظيما فأصبح هيكلا بلا روح، ثم آل به الأمر إلى أن صار في عداد البلاد الفاقدة لحريتها واستقلالها المجندلة أمام القوات الأجنبية، والسيطرة الإفرنجية وما كان للمغرب أن يتجندل لو كانت حكومته جارت الدول مجاراة في ميادين العلم والمعرفة، والتقدم والحضارة، ولكن قومنا كانوا في واد غير وادي الناس، وفي غير عصر أولئك الناس، والوقت الذي كانت الشعوب الغربية ودولها تسير فيه السير الحنيث نحو حياة جديدة مبنية على العلم والنظام والقوة والعدل، كان رجال دولتنا وولاة امرنا وقادة شعبنا يعيشون فيه بعقلية رجال القرون الوسطى جاهلين ما يجري في العالم من تقدم مادي وأدبي، فكانت النتيجة الطبيعية ذلك، وما كان لغيرها أن يكون، أهل العلم والجد والاجتهاد يتقدمون، وأهل الغفلة والجهل والكسل يتقهقرون، ووجد الاستعمار فكان المتأخرون هم ضحاياه، وكان المغرب في آخر تلك الضحايا.
ثم كانت حياة لها حسناتها وسيئاتها، وكانت أحداث منها ما انتهى أمره وصار في ذمة التاريخ، ومنها ما لا يزال هو أو مفعوله مائلا أمام أعيننا، إلا أن الذي يسر ويفتح أمامنا أبواب الأمل على مصراعيها، هو أن امتنا قد أصبحت الآن شاعرة بالواجب عليها لوطنها، عارفة لحقوقها وواجباتها، وأخذت تعمل بالوسائل العلمية والعملية لاسترجاع ماضيها المجيد، اخذ الله بيدها حتى تبلغ مبتغاها من الحياة السعيدة، والمؤمل بحول الله أن تتغلب عناصر الخير على عناصر الشر وان يزول النزاع ويمحى الخلاف وتتوحد الجهود فيعيش المغرب مع أصدقائه المخلصين في امن وأمان.
وإنني –وامتنا المغربية العزيزة المجيدة بعد أن استرجعت حريتها واستقلالها، وقد أصبحت اليوم على أبواب حياة جديدة ينتظر أن تتغير فيها مظاهرها واتجاهاتها، وان ينقلب معها الكثير من أوضاعها، خصوصا مع وجود بعض لغات وثقافات أجنبية حاول أصحابها من قبل أن يحلوها محل ثقافتنا العربية، وحضارتنا الإسلامية، وعواطفنا الشرقية،- أرى أننا معشر المشغلين بالعلم والأدب والتاريخ في بلاد المغرب العربي، يجب علينا الآن أكثر من أي وقت آخر أن نتقدم إلى الميدان مصلحين وان نكتب من جديد تاريخ امتنا بما فيه من نواحي القوة والكمال والضعف والانحلال، وما يدفع للتحمس والافتخار، أو يدعو للاختفاء والانزواء، لتعرف امتنا سبل النفع والنجاح والعظمة فتسلكها، وتعرف طرق الضرر والخذلان والبلاء فتتنكبها، إذ أن في هذا التاريخ لدروسا وعبرا وإرشادا ووعظا، وفي ذلك كله فائدة وأية فائدة لمن يريد أن يجعل الحياة الجديدة لامته مبنية على أساس قوي متين.
لقول هذا وأنا اعلم أن قيام شخص واحد بكتابة تاريخ امة كاملة في مختلف عصورها ومن جميع نواحيها، أن لم يكن مستحيلا عادة فانه على الأقل من الصعوبة بمكان، خصوصا إذا كان تاريخ امة لعبت أيدي الإهمال بالكثير من وثائقها ومستنداتها، فلهذا أرى من الواجب الوطني الآن أن يكتب كل من يستطيع الكتابة، عن الناحية التي يعرفها، وفي الموضوع الذي يحسنه، وبالأسلوب الذي يتقنه أو يستحسنه، ومن مختلف تلك الكتابات والأساليب التي قد تجمع بين الغث والسمين، تجتمع المعلومات الكافية لكتابة التاريخ الوطني الجامع للنواحي السياسية والحربية، والعلمية والأدبية، والاقتصادية والاجتماعية.
على هذا الأساس تقدمت لتأليف هذا الكتاب، كتاب «تاريخ تطوان» الذي أرى انه لا يحتوي إلا على معلومات متناثرة تتصل حلقاتها تارة وتنفصل تارة أخرى. وتتقارب موضوعاتها حبنا وتتباعد أحيانا، هي أخبار ومعلومات جديرة بان تعتبر من المواد الأولية لكتابة التاريخ المغربي الكامل في المستقبل، بعد أن يلم شعتها ويكمل نقصها. فلهذا أنبه قارئ كتابي هذا إلى انه لا ينتظر أن يجد فيه تاريخا كاملا شاملا مبنيا على الأسس العلمية الخالصة، تام التناسق متصل الحلقات، رابطا للأسباب بالمسببات، لان المجهودات، إنما استطاعت أن تحطب المعلومات، وتذيلها بالملاحظات والتعليقات. ولعل الجبل المقبل يستطيع أن يضم ما نجمعه نحن إلى ما حفظه أسلافنا، وما يبعثه خلفنا، وينقح الجميع تنقيحا، وينظمه تنظيما، فيجمع الأشباه والنظائر، ويفرق بين مختلف الموضوعات، يربط بين الحلقات، ثم يقدم للأمة نتائج أبحاثه وثمرات جهوده ناضجة طيبة لذيذة بحول الله.
لقد كتبت ما كتبت، وجمعت ما جمعت، وعلقت بما رأيت، بناء على مذهبي، في كتابة التاريخ العام، ذلك المذهب الذي يرى أن يثبت المؤرخ المعلومات ويصور الحوادث كما هي أو كما يراها دون تزوير أو تضليل، ثم لكل قارئ أن يستفيد ويستنبط على حسب ذوقه ومذهبه واستعداده. وإذا كان للمؤرخ في أن يعلق بما يشاء كما يشاء،  فان القارئ أيضا أن يقبل ويرفض على حسب ذوقه ومذهبه أيضا، والحق حق دائما، حب من حب وكره من كره، والباطل لا يخفى ولو موهه صاحبه تمويها. أن الأمة تختلف طبقات كما تختلف صور أفرادها، وإذا كان المصور الماهر هو الذي يرسم الصورة رسما مطابقا للأصل، فان المؤرخ الحقيقي «الذي لا يكتب للدعاية ولا يتأثر برغبة أو رهبة» هو الذي يسجل ما يقف عليه من المعلومات غنها وسمينها، كلياتها وجزئياتها، فيثبت من أقوال الناس وأعمالهم ما يدل على  الذكاء وسعة الصدر وحسن  التدبير، ومال يدل على الغباوة والجهل وفساد الرأي وسوء التقدير. ويسجل من الأخبار ما يعرف منه الجهال من العلماء، والضعفاء من الأقوياء والأبطال من الجبناء، والاجواد من البخلاء، والكسالى من النشيطين، والمتقلبون من الثابتين، والخونة من المخلصين. ثم أن من الطبيعي أن تختلف الأذواق والمشارب، وان تكون في الأمة مسالك ومذاهب، فقد يكون هناك خبر أو موضوع يلفت نظري وارى انه من الأهمية بمكان، في حين أن غيري لا يعطيه أية أهمية ويمر به مر الكرام، وقد تكون هناك ناحية أخرى لا رأى أنا فيها فائدة كبيرة وتكون في نظرك أنت من مهمات الأمور، وهكذا تختلف الأنظار والأفكار باختلاف الثقافات والعوائد والأوساط، فلا يطمع احد في إرضاء جميع الطبقات ولو بلغ من المعرفة والذكاء ما بلغ. وعليه فان كنت كاتبا أو مؤلفا فابذل جهدك، وابد رأيك، وقل كلمتك، وارض ضميرك، وخل الناس يقولون، ولسوف يقولون كثيرا أو قليلا، ولسوف تجد من يحبذ ويقرظ، ومن يغتاظ وينتقد، ومن يعجب ويطرب، ومن يستاء ويصخب، إلا أن الميدان الكتابة والتأليف والنشر، ميدان فسيح، لا احتكار فيه ولا ازدحام عليه، ومن التنافس والتسابق وتبادل الأفكار، تظهر الحقائق وتستفيد الأمة، وتلك غاية المخلصين.
لقد رأيت بالرغم من اعترافي بقصر الباع، وقلة الاطلاع، وشغل البال، واضطراب الأحوال أن أسد ثغرة صغيرة في ناحية من نواحي تاريخنا المغربي، بجمع هذه المعلومات عن مدينة «تطوان» مسقط راسي وموطن آبائي وأجدادي منذ الهجرة الأندلسية الإسلامية إلى المغرب. والمعلومات عن مدينة «تطوان» المتواضعة، معلومات عن مدينة مغربية وعن سكان مغربيين، وتطوان وناحيتها ليست سوى قطعة من البلاد المغربية الناهضة الآن ومال البلاد المغربية وسكانها، اعني بلاد المغرب العربي بأقطاره الثلاثة «تونس والجزائر والمغرب» إلا الشق الأيسر من جسم بلاد العروبة المجيدة، موطن النبل والشهامة، والنجدة والمروءة. وما بلاد العروبة إلا جزء من العالم الإسلامي العظيم، هذا العالم النبيل الناهض النشيط الذي نفض عنه غبار الخمول، وكسر القيود، وحطم السلاسل والأغلال، واخذ يسعى للتوحيد والتقدم نحو  الرقي والمجد،لحمل راية العظمة والسؤدد، فحياه الله وسدد خطاه وأيده ونصره.

منهـاج هـذا الكتـاب
ولعل من المناسب أن آتي هنا بفذلكة عن المنهاج الذي سلكته في ترتيب هذا الكتاب ليكون قارئه على بيته من أمره، ويعدل عن قراءته من كانت موضوعاته لا تهمه، أو طريقته لا ترضيه، لقد سلكت فيه طريقة خاصة لا ادعي أنها أفضل من غيرها وإنما هي طريقة ارتضيتها فسلكتها، ذلك أنني جعلت القرن الواحد «اعني مائة سنة» وحدة مستقلة متماسكة، فجمعت أخبار كل قرن في باب واحد تحته عدة فصول بحيث إذا قرأ الشخص ذلك الباب بمختلف فصوله، عرف تاريخ هذه المدينة من جميع نواحيه في ذلك القرن، فمثلا القرن العاشر الهجري، قد عقدت له بابا فيه خمسة فصول.
الأول في ولاة هذه المدينة وحوادنها العامة في ذلك القرن
الثاني في قضاتها وعدولها كذلك
الثالث في تراجم رجالها كذلك
الرابع في مشاهير الزائرين لها
الخامس مخلص عن حياتها في ذلك القرن من النواحي السياسية والعلمية والأدبية والاجتماعية.
ثم عقدت بابا آخر للقرن الحادي عشر وفيه ستة فصول ثم بابا آخر للقرن الثاني عشر وفيه خمسة فصول الخ.
وبهذه الطريقة بسهل الأمر حتى على من يريد مثلا أن يقتصر على معرفة ولأيها وحوادثها العامة في مختلف العصور، إذ يجد مراده في الفصول المعقودة لذلك من كل باب، والذي تهمه معرفة قضاتها فقط يجد أسماءهم وتواريخهم وأخبارهم في الفصول المعقودة لذلك من كل باب أيضا. وهكذا شان من لا تهمه إلا معرفة تراجم رجالها فقط الخ.
وقد جمعت ما وقفت عليه من المعلومات عن هذه المدينة وسكانها في حياتها الأولى –أي ما قبل القرن العاشر الهجري –وهي معلومات قليلة مختصرة جدا، ثم تكلمت بإسهاب على بنائها الحديث، وعلى عمارتها من جديد ثم على حياتها الثانية من أواخر القرن التاسع الهجري إلى قرننا هذا.
وقد كان اشتغالي بتأليف هذا الكتاب –كله من أوله إلى آخره– في بضع عشرة سنة مضت، أي في عهد كان وطني المغربي فيه مقسما بين دولتين أجنبيتين كانت أحداهما تحمي جنوبه الذي هو القسم الأكبر الأهم، وكانت الأخرى تحمي شماله الذي به تقع مدينة تطوان.
وكانت الصفة الدولية الرسمية لتينك الدولتين ببلادنا هي الحماية «المفروضة» إلا أن الواقع إنهما كانتا تسيطران على البلاد وجميع ما فيها وكل من بها، سيطرة تامة لم يبق معها لدولة المغرب والشعب المغربي شيء من التصرف أو النفوذ –لقد كان الحكم بالمغرب– في الحقيقة حكما استعماريا تراعى فيه مصالح الأجانب قبل كل شيء.
وقد مرت على البلاد أوقات كانت عسيرة غير يسيرة، ظلت الحرب قائمة بها سنين عديدة، ثم استنب الأمن ولكن الحريات كانت مفقودة، واتسعت المعلومات، ولكن الألسن أصبحت معقودة، ثم تلا ذلك عهد صارت فيه السجون والمنافي مملوءة والأوساط والأجواء موبوءة، وأيدي الظلمة وأذنابهم قوية، ومواهب أصحاب العلم والحق والعدل منزوية، وفي ذلك العهد وصلت في الكلام عن تاريخ تطوان، إلى تاريخ دخول الاسبانيين لها، وبسط حمايتهم عليها – أي عام 1331ه 1913م فأوقفت الكلام هناك أي عند احتجاب عهد الوحدة والاستقلال، وانزواء الحكم الوطني في غفوة، إلا أنها غفوة عملنا بإعانة الله القوي القادر لانتهاء مدتها، واسترجاع السيادة الوطنية كاملة لتعيش امتنا الكريمة من جديد في ظل لواء العروبة تحت راية الإسلام، فحقق الله آمالنا، وأعاد لنا حريتنا واستقلالنا، ووحدة ترابنا، وجمع شملنا، وأصبحت تطوان- كما كانت مثل بقية الشمال المغربي- جزءا من المغرب المستقل الموحد، لا فرق بين شرقه وغربه، شماله وجنوبه.
واني أرجو الله تعالى أن يهيئ لي الأسباب ويحفظني من الموانع لاستأنف عملي وأتابع كتابتي حتى اصل في تاريخ هذه المدينة إلى عهدنا هذا بحول الله.
وكنت قد قررت أن اجعل لهذا الكتاب «ذيلا» حددت له موضوعات خاصة اعرف أنها لدى بعض الناس، أهم من موضوعات الأصل التي هي تواريخ الولاة والحوادث وتراجم الرجال الخ.
وجعلت ذلك الذيل محتويا على ثلاثة أقسام:
الأول في خطط هذه المدينة وبيان أقسامها وأبوابها ومساجدها وزواياها وأسواقها وآثارها وبساتينها ومنتزهاتها قبائلها الخ. مع تاريخ كل شيء من ذلك مصحوبا بالصور والرسوم والخرائط والبيانات.
الثاني في سكانها وبيان عناصرهم وأسماء الأشخاص والعائلات وتاريخ من كان فيها من رجال العلوم والفنون والتأليف والتدريس والشعر، وأصحاب الخطط المختلفة من محتسبين ونظار وخطباء وأئمة الخ.. وفيه فصول عن الأجانب وعن اليهود وعن الرقيق الخ..
الثالث في الحياة الاجتماعية بها وفيه الكلام على ما فيها من الأديان والمذاهب، والأخلاق والعوائد، والحرف والصنائع والأعياد والمواسم، والفصول والمنازل واللغات واللهجات، والحكم والأمثال، (ألف مثل ومثل) والغناء والموسيقى والنظام المنزلي والمرأة ومركزها، وهندسة المباني والملابس والمآكل والمشارب (المطبخ التطواني) والزراعة والزهور والفواكه والحيوانات والعملة «السكة» الخ..
وقررت أن يكون هذا الذيل بأبوابه الثلاثة محتويا على مائة فصل وفصل، منها ما يحتوي على صفحة أو بضع صفحات، ومنها ما فيه عشرات الصفحات وفعلا شرعت في كتابة هذا الذيل وحررت منه عدة فصول منها المطول ومنها المختصر، وقد كتبت منه حتى الآن بضع مئات من الصفحات، إلا إني لما رأيت أن أمره قد يطول، قررت فصله عن اصل الكتاب واعتبار كتاب «تاريخ تطوان» منتهيا يمكن تقديمه للطبع بمجرد مراجعته وتنقيحه، ورأيت أن اجعل الموضوعات المذكورة كتابا مستقلا اسمه «تكملة تاريخ تطوان» وهذه التكملة اشتغل فيها من حين لأخر كلما سمح لي الوقت بذلك كما اشتغل في الكتاب الثالث الذي مرت علي عدة سنوات في جمع مواده وتحريره وهو كتاب «عائلات تطوان» واني أرجو من الله تعالى الإعانة والتوفيق لإكمال هذين الكتابين وتقديمهما للطبع أيضا في زمن قريب غير بعيد بحوله سبحانه.
ويجعل بي أن أبين أن كتاب «تاريخ تطوان» ليس كتاب دعية، أو مديح وإطراء، وإنني لم يدعني لتأليفه إلا القيام ببعض الواجب علي لوطني المغربي العزيز ولأبنائه المحترمين.. فهو كتاب لم يؤلف لبيان خصوص المحاسن أو المساوي، ولم يكتب بالأسلوب الإنشائي أو المدرسي الذي تنمق عباراته تنميقا لينسج على منواله التلاميذ، ولم أقيد فيه لا بالتطويل والأطناب ولا بالاختصار والإيجار، بل ضمنته من المعلومات ما عثرت عليه وعلقت على الحوادث والأخبار، بما خطر ببالي عند جمعها وتأليفها، وكتبته بالأسلوب الذي حضر، فلا التزام لما لا يلزم، ولا تقيد ولا تقييد، ولا تكلف ولا تكليف.
على أنني بالرغم من كوني أنجزته في عدة مجلدات، تحتوي على آلاف من الصفحات، ما زلت اشعر بنقص فيه كبير، إذ هناك أمور ربما كانت مهمة ولكنني اجهلها تماما، وهنا أشياء لا اعرف من حقائقها إلا قليل، لان في الدنيا كراما نبلاء، وفيها أيضا كسالى وبخلاء، يضنون لا بالمال فحسب، بل حتى بالمعلومات، وبالاطلاع على الوثائق والمستندات، ولله في خلقه شؤون.
نعم إني قد بحثت واجتهدت، وسالت وارتحلت، وشرقت وغبت، وتعلمت وتتلمذت، وتذاكرت واستفدت، ونقلت وحطبت، وجمعت من ذلك كل ما استطعت، وربما كان ما جهلت أكثر مما علمت ولكن هذا هو جهدي فان وجد فيه احد ما يهمه أو يفيده فالحمد والمنة لله الموفق، ومن رأى فيه نقصا فليكمله أو ليرشد لإكماله. وله مني جزيل الشكر ومن الله حسن الجزاء، ومن وجد فيه خطا فليصلحه وليعتقد أن الكمال إنما هو لله، ومن لم يرضه فيه شيء فليعلم انه لم يؤلف لمثله، وان استطاع فليتفضل وليتحفنا بما هو أحسن منه وأرقى واشمل وأوفى.
كيف ينبغي أن يكتب التاريخ ؟
ثم كيف ينبغي أن يكتب التاريخ ؟
هذا سؤال تختلف آراء الناس في الجواب عنه نظريا وعلميا، فهذا مؤرخ حر نزيه لا يخشى شيئا ولا نطمع في شيء، يقول الحق ويسير في طريقه، يرى أن من أحسن بجب أن يعلم أن إحسانه لم يضع، ومن أساء يعرف أن وراءه أعينا ساهرة تحصي عليه أعماله ومواقفه، وأقلاما حادة تسجل ذلك وتخلده في بطون التاريخ ليقراها الأولاد والأحفاد وتسير بها الركبان في مختلف الأقطار. وذاك كاتب مداح أو هجاء يخدم مصالح شخصية له أو غيره لا يبالي بالحقيقة ولا يهمه أنصاف، وإنما يمدح أو بذم بالحق والباطل وبالواقع وبالمختلق(1).
وكم من كاتب أو شاعر أو مؤرخ باع ضميره وقلمه وخان الأمانة، وضل في نفسه وأضل معه الناس لأجل دراهم معدودة فبضها، أو وظيفة زائلة قلدها. أو لرغبة أو رهبة تزول بزوال أسبابها وتنتهي عوارضها طال الزمن أم قصر.
والكتاب والمؤرخون الذين من هذا القبيل وذاك قد وجدوا في العهد القديم وهم موجودون الآن وسيبقون في الوجود، ما دام الإنسان وأخلاق الإنسان.
الشرف، والنزهة، علو الهمة، والعلم الغزير، والعقل الراجح، والاتزان المعقول، ونبذ الخوف والطمع، هذه صفات لا تسمح لصاحبها بغير الحق والعدل والإنصاف.
أما الأمل والطمع، والخوف والهلع، والطغيان والجبروت، وصفافة الوجه وخراب الذمة، فإنها أوصاف تدعو بعض الناس لقلب الحقائق واختلاق الحوادث والإغضاء عن الزلات، ومداراة الذين يخاف منهم أو يخشى أنصارهم، ثم إنكار حسنات الأضداد وفضائل المعارضين، فهذا فلان بيده السلطة أو له جاه، يخشى من غضبه أو أعراضه إذا قيل كذا، أو كتب كذا، وذاك فلان عدو فلان أو كان عدوا لآبائه أو أجداده ويسوءه أن يسمع كلمة حق أو أنصاف في خصمه أو خصم أهله أو مواطنيه، وهذا صديقنا فلان لا يناسب أن نقول في سلفه كذا، أو هؤلاء قومنا لا ينبغي أن نذكر شيئا من نقائصهم أو هذه بلادنا لا يليق أن نصفها هي أو أهلها بكذا ليلا يستغل ذلك خصومنا الخ. هكذا نضيع الحقائق وتنقلب الأمور في كثير من الأحوال ومن كثير من الناس.
عن بعض مؤرخي المغرب في عصرنا
لقد سمعت مرارا عديدة من بعض أصدقائي، وهم من ذوي المقامات المحترمة، أن العلامة المؤرخ المرحوم مولاي عبد الرحمن ابن زيدان، قد أساء إلى المغرب وإلى بعض الناس في تاريخه «الإتحاف» وانه كشف الأسرار وفضح العورات، وليته حذف، وليته اثبت وليته وليته...
أما أنا فكنت وما زلت أرى أن ابن زيدان رحمه الله لم يسئ لا إلى المغرب ولا إي التاريخ وإنما قام بواجب يستحق أن يشكر عليه، وكنت استغرب صدور مثل ذلك القول ممن كنت اعرف فيهم العقل والعلم، والذكاء والفهم، ولكنني حينما أفكر في الموضوع، وفي سبب مثل ذلك القول، اصل في النهاية إلى أن الشخص إذا كان بنظر بعين الرضي لبعض الجهات، فانه لا يقدر على أن يسمع عنها غير الثناء، وإذا كان متصلا بالطبقة التي لا تهمها الحقائق بقدر ما يهمها المديح والإطراء، فان أثقل شيء على سمعه هو ذكر الحقائق المجردة، وإذا قلت لهذا الصنف من الناس، وأين الحق والإنصاف والأمانة، قال لك، لك شان البسطاء والأغنياء
لقد سمعت أيضا غير ما مرة بعض رفقائي الذين اعتقد أنهم بعيدون عن الأغراض والشهوات، ينتقدون على أستاذنا الرهوني رحمه الله، إثباته في تاريخه الكبير لأشياء بعدونها من الخرافيات التي لا تناسب العصر، فكنت أقول لهم، أليس في الدنيا أناس يعتقدون أن ما تسميه أنت خرافات، هو عين الحقائق وطريق الهدى وسبيل السلامة والنجاة ؟ أن هذه الطبقة من الناس موجودة حقا، وان من الأمانة للتاريخ والحقيقة، وان تسجل أقوالها واعتقاداتها بما لها وما عليها ثم ما على قارئ التاريخ إلا أن يقبل ما يراه حقا وصوابا، ويرفض ما يرى انه خطا أو باطل.
ومن كان جاهلا فليسئل أهل الذكر والعالمين.
وكنت اسمع أشخاصا ينتقدون على كتاب «الاستقصا» لأبي العباس  الناصري، اقتصاره على نواح دون أخرى ويقولون في مؤلفه الكبير انه حاطب لبل، وربما لوردت كل فقرة فيه إلى الكتاب الأصلي الذي نقلت منه لما بقي لمؤلفه شيء يذكر. فكنت استغرب كيف يسوغ لمواطن  مغربي أن ينكر فضا أعظم وأحسن واجمع كتاب ألف في تاريخ وطنه، ذلك الكتاب الذي لو يعرف جل علماء هذا القرن في العالم تاريخ المغرب إلا منه. فهل كان في الإمكان أن يجمع المؤلف الواحد كل شيء ؟ وهل العالم أو الأديب الذي لم يحط بكل شيء علما يجب عليه أن لا يكتب ولا يؤلف ليلا يقال، أن إنتاجه ناقص، وهل ينتظر الكمال إلا من الله سبحانه ؟
أما صديقنا العلامة العباس بن إبراهيم قاضي مراكش حفظه الله فانه لم يعدم من ينتقد عليه اقتصاره في كتابه «الإعلام» على تراجم الرجال، ولكن أليست تلك التراجم مشحونة بالعلم والأدب والتاريخ والسير والموعظ والعبر ؟ وهل ألف في المغرب العربي كله احد غير ابن زيدان وابن إبراهيم كتابا يحتوي على نحو عشر مجلدات ضخام في تراجم في تراجم رجال مدينة واحدة ؟
الحق أن الناصري السلوي مؤلف «الاستقصا» (2) والرهوني التطواني مؤلف «عمدة الراوين (3) وابن زيدان المكناسي مؤلف «الإتحاف» (4)وابن إبراهيم المراكشي مؤلف «الإعلام» (5)كلهم من أفذاذ علماء الأمة المغربية الذين يستحقون كل إجلال وإعظام، أن بقى في الدنيا فضل وإنصاف.
على أن أسماء هؤلاء النبغاء ومؤلفاتهم خالدة وان وجه لها من الانتقادات ما وجه، وان اختلاف أساليبها إنما هو صورة لاختلاف صور الأفراد والثقافات والأنظار والاتجاهات.
والرأي والله اعلم، أن كتابة التاريخ ينبغي أن تختلف باختلاف الأحوال فالمؤرخ لأجل الأغراض الخاصة وللدعاية، له أن يراعي المبدأ الذي ألف لأجله فيرفع ما يشاء ويضع ما يريد، ويذكر ما يرضاه أو يرضيه، ويغفل ما لا يوافق مبدأه ومراده، ويشيد بذكر ما يؤيد رأيه ومذهبه، ويحط من قيمة كل ما يخالف ذلك...
فالتاريخ الموجه الذي يؤلف مثلا لتلاميذ المدارس الوطنية أو لبث الروح القومية في الأمة، أو لنحو ذلك من الإعراض النبيلة، يجب أن لا يثبت فيه من الحوادث والأخبار والمواقف، إلا ما يناسب المقام من مفاخر وأمجاد.
والكتاب الذي يؤلف لمقاومة الدول الغاشمة، أو لبيان فضائح الولاة المعتدين والطغاة المتجبرين، والظلمة المغتصبين، أو لمقاومة المبادئ الهدامة والمذاهب والأنظمة الضارة، أو لمحاربة الظلم الاستعماري الغاشم أو الاستغلال الإقطاعي الممقوت، من شانه أن يحتوي على تشويه أعمال الظالمين والمعتدين وهدمها بالحق بل وحتى بغيره – أن اضطر لذلك – وان كان الحق غنيا بنفسه.
أما التاريخ الحقيقي الذي يكتب للاعتبار، ويسجل مختلف الحوادث والأخبار، فينبغي أن يكون كالمرآة أو كالآلة المصورة التي تبثت الأشياء كما هي، والمؤرخ الصادق، والكاتب الحر، هو الذي يثبت الحوادث كما رقعت ويصف الأشخاص والأشياء بأوصافها الحقيقية بدون مبالغة ولا بخس، فبذلك يعرف مقام المصلحين وفضل المحسنين وكفاح العاملين وجهود المخلصين، كما يعرف أيضا جبروت الظالمين وطغيان المتعدين، وضلال المفترين، وإهمال المقصرين
ومعرفة الحقائق والنتائج هي التي تقف في وجه من تحدثه نفسه بالغرور، وهي التي تعظ من يريد الانعاظ، وهي التي تدعو لشكر الذين أحسنوا وقاموا بواجباتهم، كما تدفع لنقد الذين اساؤوا ولم يهتموا إلا بمصالحهم وشهواتهم، وإعلان الحقائق ونتائجها هو الذي يدعو عددا من الناس للقيام بأعمال البر، والابتعاد عن طريق الشر وموجبات النقد، وفي ذلك صلاح الأمة وإكثار للخير وإقلال للشرور والآفات.
لقد كان بعض الخيرة من أصدقائي يمدحون بعض الناس بما لم يفعلوا لعلهم يعملون، ويصفونهم بأوصاف لاحظ لهم فيها لعلهم يهتدون «ومن الناس من يسرهم أن يحمدوا بما يفعلون وما لا يفعلون» فكنت أقول لأولئك الأصدقاء أن عملهم جناية على مصالح الأمة التي اعتقد أنهم يعملون لها بإخلاص، لان مدح الشخص بعمل صالح لم يقم به قد يكون سببا في عدم قيامه بذلك العمل في المستقبل فهو يقول – والإخلاص في الدنيا غير كثير – أي فائدة المنصب والتضحية ما دامت الأعمال الصالحة تنسب إلى وان لم اعملها، والسن الناس لاهجة بالثناء على بأوصاف ولو لم اتصف بها، وهكذا تضيع الحقائق أيضا، وهكذا تهمل المصالح العامة أما بالتملق والطمع، وأما بالخوف وبالإعراض المختلفة، وفي ذلك كله جناية على الأمة وتضييع لحقوقها.
ان الأشخاص يذهبون، اما الأعمال فتبقى، وان الإعراض والإغراض تغنى، اما الحقيقة فهي باقية خالدة، ولكن هل بلغ الناس درجة قبول الحقائق المجردة؟ وهل في الامكان ان يسير كتاب التاريخ على وتيرة واحدة؟ لعل الذي يحاول ان يرغم الناس أجمعين لأعلى طريقة خاصة، او يسيرهم في اتجاه واحد، انما يتيه في صحراء الخيال اذ رضا جميع الناس غاية لا تنال.
وقديما حاول المؤرخ الكبير العلامة ابن خلدون، وضع قواعد واصول لكتابة التاريخ ولكن هل وقف هو نفسه مع تلك القواعد والأصول حينما اخذ في كتابة تاريخه «العبر» انه ان كان قد ذكرها حبنا فانه نسيها او تناساها احيانا – والحال هو الحال فبمن أتى بعد ابن خلدون، ولعل الحال هو نفس الحال في مؤرخي عصرنا هذا وفيما ياتي بعده من عصور إلى ما شاء الله.
ولعل من النادر بل من الصعب ان يستطيع المؤرخ أو الكاتب ان يتجرد عن جميع الميول والاعتبارات، ويكتب الحقائق مجردة غير متأثر بما يشعر به من حب وحنان، واعتبار وإعجاب، او بغض واشمئزاز، واحتقار وإهمال.
ولعل حياة الأمم والشعوب لنما هي كالروايات السينمائية تتنوع موضوعاتها ومغازيها، ولعل التواريخ كالأفلام تختلف مناظرها وتأثيراتها، ولعل المؤرخ كالمخرج لابد ان يتأثر بنفسيته وبثقافته وبالوسط الذي عاش او يعيش فيه، ولعل قراء التاريخ كرواد السينما منهم من يتاثر ويتعظ، ومنهم من يضحك او يسخر او يلهو، ومنهم المفكر المعتبر المستفيد، ومنهم العبث الذي لا هو في العبر ولا في النفير، وإذا كان بقر الله في ارض الله كثيرا وكانت لكل ساقطة لاقطة، فان في الدنيا حكمة وعقلا، وذكاء ونبلا، وجواهر تستحق نحور الحور، في اعالي القصور، والله فضل بعضكم على بعض، وانما الاعمال في النيات... وصدق الله العظيم وصدق رسوله الكريم. والله سبحانه هو المستعان.
(1) لو تحرى المؤرخ غاية التحري فانه لابد أن يتأثر بمؤثرات قد لا يشعر بها، لكن الملام لنما هو على خطة منافقة تشم منها رائحة الأغراض السخفة، أما التاريخ الممحص فانه يوخذ الحق في أو ما أشبه أن يكون حقا من دراسة الميولات المتنوعة، فمن بينها كلها تتمحض فكرة يكونها الدارس المستقل الفكر، لا تبعد كثيرا عن الواقع، وإذا وجد الشجاعة على التعبير بكل ما يحسه ويعتقده فقد أدى الأمانة كاملة ولا يضره نواحي النقصان فليس بمطلوب منه ن لا يخطئ وإنما المطلوب منه أن لا يتعمد الخطأ. ت. و.
(2) كتاب «الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى» للعلامة المطلع أبي العباس احمد بن خالد الناصري السلاوي «من مدينة سلا» وقد طبع بمصر عام 1312 في أربعة أجزاء متوسطة الحجم في حياة المؤلف المتوفى عام 1315 ومولده عام 1250 ثم طبع بمدينة الدار البيضاء في تسعة أجزاء سنة 1954 – 1956 وهو أوسع ما عرفناه حتى الآن من الكتب المؤلفة في تاريخ دول المغرب.
(3) كتاب «عمدة الراوين في تاريخ تطاوين» لأبي العباس احمد الرهوني التطواني «من مدينة تطوان يقع في عشرة أجزاء متوسطة الحجم. وقد وصف وصفا دقيقا في الفصل الأول من هذا الكتاب. وهو مخطوط إلى الآن لم يطبع منه شيء، ويا حبذا لو طبع فيستفيد مكنه كثير من الناس.
(4) هو كتاب «إتحاف إعلام الناس، بجمال أخبار حاضرة مكناس» لأبي زيد عبد الرحمن ابن زيدان العلوي المكناسي «من مدينة مكناس» طبعت منه في حياة مؤلفه خمس مجلدات كبار بمدينة الرباط، فيما بين سنتي 1347ه 1929م. و 1352ه 1933م. وأخبرت أن الباقي منه بدون طبع ما يقرب من لك. وهو مؤلف جليل في تراجم رجال مكناس، ولكن به من المعلومات التاريخية والأدبية عن المغرب وتاريخه ورجاله وملوكه ما لا يوجد في غيره.
(5) كتاب «الإعلام، بمن حل مراكش واغمات من الإعلام» للقاضي العباس بن إبراهيم المراكشي «من مدينة مراكش» يقع في نحو عشر مجلدات كبار، طبع منه مؤلفه خمس مجلدات بمدينة فاس فيما بين سنتي 1355ه 1936م. 1358ه 1939م والقسم الباقي منه مخطوطا، ربما كان أكثر من القسم المطبوع، وقد وقفت عليه وتصفحته لدى مؤلفه بمراكش. وهو كتاب جليل في تراجم رجال مراكش وغيرهم من إعلام المغرب. وقد جمع فيه مؤلفه من الفوائد والأخبار ما تفرق في غيره.
المقال منقول عن موقع مجلة دعوة الحق